فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 6723

15 -قوله (لأخيه) أي للمسلمين تعميمًا للحكم ما يحبُّ، أي مثل ما يحبُّ، إذ عين ذلك المحبوب محال أن يحصل في محلَّين، واللَّام تدلُّ على أنَّ المراد الخير والمنفعة، إذ هو الاختصاص النَّافع، وكذا محبَّته لنفسه تدلُّ عليه، إذ الشَّخص لا يحبُّ لنفسه إلَّا الخير.

قال ابن الصَّلاح وهذا يُعَدُّ من الصِّعب الممتنع، وليس كذلك؛ إذ القيام بذلك يحصل بأن يحبَّ له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمة فيها بحيث لا ينقص النِّعمة على أخيه شيئًا من النِّعمة له، وذلك سهل على القلب السَّليم، انتهى.

وكذا من الإيمان أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه، ولم يذكره؛ إمَّا لأنَّ حبَّ الشَّيء مستلزم لبغض نقيضه، فيدخل تحت ذلك، وإمَّا لأنَّ الشَّخص لا يبغض خيرًا لنفسه، فلا يحتاج إلى ذكره، والمحبَّة معناها على ما عرفها أكثر المتكلِّمين للإرادة، فقيل هي إمَّا اعتقاد النَّفع، أو مُثُلٌ تنبع ذلك، أو صفة مخصِّصة لأحد الطَّرفين بالوقوع.

النَّوويُّ أصل المحبَّة الميل إلى ما وافق المحبَّ، ثمَّ الميل قد يكون لما يستلذُّه بحواسِّهِ، فحسن الصُّورة ولما يستلذُّه بعقله كمحبَّة الفضل والكمال، وقد يكون لإحسانه إليه ودفع المضارِّ عنه.

التَّيميُّ دلَّك الشَّارع على معرفة الإيمان من نفسك، فانظر فإن اخترت لأخيك في الإسلام ما تختار لنفسك؛ فقد اتَّصفت بصفة الإيمان، وإن فرَّقتَ بينك وبينه في إرادة الخير؛ فلستَ على حقيقة الإيمان؛ انتهى.

و (المُؤْمِن) اشتُقَّ من الأمن؛ أي أنَّه يؤمِّن أخاه من الضَّيم والشرِّ، وإنَّما يصحُّ منه هذا إذا ساوى بينه وبين نفسه، فأمَّا إذا كان وصول الشَّرِّ إلى أخيه أهون عليه من وصوله إلى نفسه، أو حصوله على الخير أكثر من حصول أخيه عليه؛ فلم يؤمِّنه إيمانًا تامَّا.

قوله (مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ) جاء هنا تقديم (الوالد) على (الولد) ومحبَّة الإنسان لولده أعظم من والده غالبًا؛ لأنَّ كثيرًا من النَّاس لا ولد له، وكلُّ أحدٍ له والد، قدَّم الأعمَّ ثمَّ الأخصَّ، على أنَّ في «مسلم» تقديم الولد على الوالد في حديث أنس، وتشبيه المعنى الآخر.

ج 1 ص 35

قوله (والنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ) ذِكر النَّاس بعدَ الوالدين تعميم بعد تخصيص عكس قوله تعالى {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيْلَ} [البقرة98] .

فإن قلت هل يدخل في لفظ النَّاس نفس الرَّجل، أو يكون إضافة المحبَّة إليه يقتضي خروجه منهم؟ فإنَّك إذا قلتَ (جميع النَّاس أحبُّ إلى زيد من غلامه) يُفهَم منه خروج زيدٍ منهم؛ قلتُ لا يخرج؛ لأنَّ اللَّفظ عامٌّ، وَما ذكرتم ليس من المخصِّصات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت