144 -قوله (شرِّقُوا) التفات من الغَيْبة إلى الخطاب.
قال ابن بطَّال قوله في التَّرجمةِ إلَّا عند البناء ليس مأخوذًا من هذا الحديث، ولكنَّه لما عُلِمَ من حديث ابن عمر استثناء البيوت بوَّب عليه؛ لأنَّ حديثه عليه السَّلام كلُّه كأنَّه شيءٌ واحدٌ وإن اختلفت طرقه، كما أنَّ القرآن كلآية الواحدة وإن كَثُرَ.
أقولُ يُحتمَل أن يكونَ مأخوذًا من هذا الحديث، إذ لفظ الغائط مُشْعرٌ بأنَّ الحديثَ وَرَدَ في شأن الصَّحارى، إذ الاطمئنان؛ أي الانخفاض والارتفاع إنَّما يكون في الأراضي الصَّحراويَّة لا في الأبنية.
وقال شيخنا قال الإسماعيليُّ ليس في حديث الباب هذا الاستثناء، ثمَّ أجاب بجواب ابن بطَّال، ثمَّ قال وارتضاء ابن التِّين ثمَّ قال لكنَّ مُقْتضاه أن لا يَبْقى لتفصيل التَّراجم معنًى، ثمَّ أجاب بجوابين
أحدهما للإسماعيليِّ؛ وهو أنَّه يمسك بحقيقة الغائط؛ لأنَّ المكان المطمئن من الأرض في الفضاء، وهذه حقيقته اللُّغويَّة، وإن كان قد صار يُطْلَق على كلِّ مكان أُعِدَّ لذلك مجازًا.
الثَّاني وهو جواب ابن المنيِّر إنَّ استقبال القبلة إنَّما يتحقَّق في الفضاء، وإنَّما الجدار والأبنية، فإنَّها إذا استُقبلَت؛ أضيفَ إليها الاستقبال عرفًا، ويتقوَّى بأنَّ الأبنية المعدَّة ليست صالحة لأن يُصلَّى فيهَا، فلا تكون قبلةً، انتهى.
فائدة قال المُهلَّب إنَّما نهى عن الاستقبال والاستدبار في الصَّحراء من أجل من يُصَلِّي فيها من الملائكة، فيؤذيهم بظهور عورته مُسْتقبلًا أو مُسْتدبرًا، وأمَّا في البيوت وغيرها، فليس ذلك فيه، ويُحتمَل أن يكون النَّهي عن ذلك إكرامًا للقبلة وتنزيهًا لها.
وأقول هذا الاحتمال لا يفيدُ الفرقَ بين الصَّحارى والأبنية، نعم يُحتمَلُ أن يفرِّق بأنَّ الأماكن تضيق في البُنْيان، فربَّما لا يمكنه تحريف كنيفه أو بأنَّ الحشوش في الأبنية يحضرها الشَّياطين لا الملائكة، والأسنويُّ في المهمات هذا كلام سديد.
الخطَّابيُّ المعنى فيه أنَّ الفضاء من الأرض موضع الصَّلاة، ومتعبَّد الإنس والجنِّ والملك، فالقاعد مُسْتقبلًا للقبلة ومستدبرها مستهدفٌ للأبصار، وهذا مأمون في الأبنية السَّاترة للأبصار، أو أنَّ الرَّجل إنَّما يستقبل القبلة عند الدُّعاء والصَّلاة ونحوهما من أمور الخير، فكره عليه السَّلام أن يتوجَّه إليها عند الحدث، وأن يولِّيها ظهره، فتكون عورته بإزائها غير مستور عنها.
ج 1 ص 142