فهرس الكتاب

الصفحة 231 من 6723

135 -قوله (حَتَّى يَتَوَضَّأ) نفى القبول إلى غاية، وهي الوضوء، ومَا بعدَ الغاية مخالف لما قبلها، واقتضى قبول الصَّلاة بعد الوضوء مطلقًا، ودخل تحتَه الصَّلاة الثَّانية قبلَ الوضوء لها، وبحقيقة أنَّ صلاةَ اسم جنس، وقد أضيف فيعمُّ، وهذا الحديث محمولٌ على تارك الوضوء بلا عذر، وأمَّا من تركه بعذر وأتى ببدله؛ فالصَّلاة مقبولةٌ قطعًا؛ لأنَّه قد أتى بما أُمِرَ به، على أنَّ التَّيمُّم من أسمائه الوضوء في الحديثِ «الصَّعيدُ وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين» حديثٌ صحيحٌ.

إشارة (حَضْرَمَوْتَ) قال الكرمانيُّ بفتح الميم، أقول وبضمِّها، قال اسم بلد باليمن، وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جُعِلَا اسمًا واحدًا، والاسم الأوَّل منه مبنيٌّ على الفتح على الأصحِّ، إذا قيل ببنائهما وقيل بإعرابهما، فيقال هذا حَضْرُموت برفع الرَّاء وجرِّ التاء.

قال الزَّمخشريُّ فيه لغتان؛ التَّركيب ومنع الصَّرْف، والثَّانية الإضافة، فإذا أضيف؛ جاز في المضاف إليه الصَّرْف وتركه.

قوله (مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ) جعل الحدث هو الفساء والضُّراط، والفقهاء يجعلون خروج الخارج سببًا للحَدَث، وقال بعض العلماء كيف يكون

ج 1 ص 134

الخارج سببَ الحدث، وهو الحدث بعينه.

وقال بعضهم خروج الخارج النَّجس هو الموجب للوضوء، لا نفس الخارج؛ لأنَّ الخارج لو كان عينه عِلَّةً من غير وصف الخروج؛ لكان لا يزايله الحَدَث في كلِّ الأحوال؛ لكونه موجودًا فيه قبلَ الخروج، وذلك باطل؛ لأنَّ الخارج عين لا يَصْلح للعلَّة؛ لأنَّ العلَّة معنًى يحلُّ بالمحلِّ فيتغيَّر به حال المحلِّ، فلا بدَّ من تقديرٍ مناسبٍ، وهو خروج الخارج النَّجس.

وقال غيره وقد يُسمَّى نفس الخارج حدثًا، وقد يُسمَّى المنع المرتَّب عليه حدثًا، وبه يصحُّ قولهم رفعت الحدث ونويت رفعه، وإلَّا استحال مَا يرفع أن لا يكون رافعًا.

قوله (قَالَ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ) إن قلتَ الحَدَث ليس منحصرًا فيهمَا؛ قلتُ قال ابن بطَّال إنَّما اقتصر على بعض الأحداث؛ لأنَّه أجاب سائلًا سأله عن المصلِّي يُحدث في صلاته، فخَرَج جوابه على ما يَسْبق المصلِّي من الأحداثِ في صلاته؛ لأنَّ البول والغائط ونحوهما غير معهودة في الصَّلاة.

الخطَّابيُّ لم يرد بذكر هذين النَّوعين تخصيصهما، وقَصْر الحكم عليهمَا، بل دَخَلَ في معناه كلُّ ما خَرَج من السَّبيلين، والمَعْنى إذا كان أوسع من الاسم؛ كان الحكم للمعنى، ولعلَّه أراد به أن يُثْبت الباقي بالقياس عليه للمعنى المُشْترك بينهما.

وأقول لعلَّه اقتصر على بعض الأحداث؛ لأنَّ ما هو أغلظ من الفساء بالطَّريق الأولى، ويحتمل أن يقالَ المجمع عليه من أنواع الحَدث ليس إلَّا الخارج النَّجس من المعتاد، ومَا يكون مظنَّة له كزوال العَقْل، فأشار إليه على سبيلِ المثال كما يُقال الاسم زيد أو كزيد، وَيُسَمَّى مثْله تعريفًا بالمثال.

أو يقال كان أبو هريرة يَعْلم أنَّه عارف بسائر أنواع الحدث جاهل بكونهما حدثًا، فتعرَّض لحكمهما بيانًا لذلك.

وقال شيخنا بعد إيراد كلام الكرمانيِّ أنَّه عارف بسائر أنواع الحدث مَا لفظُه، وفيه بُعْدٌ، ولعلَّ أبا هريْرةَ كان لا يرى النَّقض ليس من باقي الأحداث، وعليه مَشَى البخاريُّ، انتهى.

وقال غيره كأنَّه أجاب عمَّا يجهله منها، أو عمَّا يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، أو عمَّا يقع في الصَّلاة، فإنَّ غيره كالبول مَثَلًا لا يُعْهد فيهَا، وهو نحو قوله لا يَنْصرف حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا.

ولا يخفى عليكَ أنَّ حدَّ الحديث حتَّى يتوضَّأ، والباقي إدراجٌ، والظَّاهر أنَّه من همَّام.

خاتمة قال شيخنا في «الفتح» هذه التَّرجمة لفظ حديث رواه مسلم وغيره من حديثِ ابن عمر وأبو داود وغيره من طريق ابن المليح بن أسامة عن أبيه، وله طرق كثيرة، لكن ليس منهَا شيءٌ على شَرْط البخاريِّ، فلهذا اقتصر على ذكره في التَّرجمةِ، وأورد في الباب ما تقدَّم مقامَه، انتهى.

وقال ابن الملقِّن إنَّما عَدَل عنه إلى مَا ذُكِر من حديث أبي هريرةَ، مع أنَّ حديث ابن عمر هذا مُطَابق لما ترجم له لأجلِ سماك بن حَرْب المذكور في إسناده، فإنَّه ليس من شرطه، وإن أخرج له تعليقًا، انتهى.

إشارة دخل عبيد الله بن عمر على ابن عامر يعوده وهو مريض، فقال له ألا تدعو اللهَ لي يا ابنَ عمر؟ قال إنِّي سمعتُ رسول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم يقول «لا تُقْبَل صلاة بغير طَهور، ولا صَدَقَةٌ من غُلولٍ» .

وكنتُ على البَصْرة قال الدُّمياطي قوله وكنتُ على البَصْرة أي أميرًا يُعرَض له بالغلول بمال الله، ويعرِّفه مَا عليه فيه ليخاف ذنبَه، ولا يغترَّ بما وجَّهه من ذلك المال في وجوه البرِّ، انتهى.

وقال غيره المعنى أنَّ ابنَ عمر ضَرَبَ الصَّلاةَ والصَّدقةَ مَثلًا للدُّعاءِ، وكما أنَّ الصَّلاة لا تُقْبل إلَّا من متطهِّر، فالصَّدقة لا تُقبَل إلَّا مِن متطهِّر فالصَّدقة لا تقبل إلَّا من حلال؛ كذلك الدُّعاء لا يقبل مع التَّدليس بمظالم النَّاس، ولم يُرِد ابن عمر أنَّ الدُّعاء للعصاة لا يجوز ولا يُقْبَل، فإنَّه عليه السَّلام كان يدعو للعصاة بالتَّوبة، وإنَّما أراد ابن عمر التَّشديد على ابن عامر ليحثَّه على التَّوبة وخلاص الذِّمَّة، انتهى.

خاتمة

إن قلتَ الضَّمير في (يتوضَّأ) ما مرجعه؟ قلتُ (من أحدث) وسمَّاه محدثًا، وإن كان ظاهرًا باعتبار ما كان، كقوله تعالى {وَآتُوا اليَتَامَى أَمْوَالَهُمْ} [النِّساء2] .

واختلفوا في الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه

أوَّلًا أنَّه يجب بالحدث وجوبًا موسَّعًا.

ثانيًا لا يجب إلَّا عند القيام على الصَّلاة.

ثالثًا يجب بالأمرين، وهو الرَّاجح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت