99 -قوله (قِيْلَ يَا رَسُولَ اللهِ!) كذا وقع في رواية أبي ذرٍّ، والصَّواب حذف (قيل) كما جاء عند الأصيليِّ والقابسيِّ؛ لأنَّ السَّائل هو أبو هريرة رضي الله تعالى عنه نفسه، ورواه البخاريُّ بلفظ (قلتُ) [خ¦6570] [1] ، فتنبَّه له، فإنَّه مهم، و (الشَّفاعة) من الشَّفْع؛ وهو ضمُّ الشَّيء إلى مثْله، كأنَّ المَشْفوعَ له كان فَرْدًا، فَجَعله الشَّفيع شَفْعًا بضمِّ نفسه إليه، والشَّفاعة والضَّمُّ إلى آخر معاونًا له، وأكثر ما يُسْتعمَل في انضمام من هو أعلى مرتبة إلى من هو أدنى.
قوله (لَقَدْ ظَنَنْتُ) اللَّام جواب قسمٍ محذوفٍ.
قوله (يَسَأَلَنِي) يجوز في اللَّام الرَّفع والنَّصب؛ لأنَّ كلمة (أن) إذا وقعت بعد الظَّنِّ يجوز في مدخولها الوجهان.
قوله (أَوَّلُ) منصوبٌ؛ لأنَّه في حكم الظَّرف، ووقعت حالًا، وعن القاضي أنَّه مفعول ثانٍ لـ (ظننتُ) ، ويجوز الرَّفع بأنَّه صفة (أحد) .
قال سيبويه هو بمنزلة أقدم منك.
إشارة (أَوَّلُ) اختُلِفَ في أنَّه (أفعل) ، أو (فوعل) ، والصَّحيح الأوَّل، واستعماله بـ (من) من جملة أدلَّة صحَّته.
قوله (لِمَا رَأَيْتُ) ما موصولةٌ، والعائد محذوفٌ، و (من) بيانيَّة أو مصدريَّة، و (من) و (على) تبعيضيَّة مفعولٌ لرأيتُ؛ أي لرؤيتي بعض حرصك.
ج 1 ص 112
قوله (أَسْعَدُ النَّاسِ) (أسعد) أفعل التَّفضيل، ولا يدلُّ على السَّرَّاء هنا؛ لأنَّ المنافق والمشرك لا سعادة لهما؛ لأنَّ (خالصًا) احترازٌ من المنافق، و (لا إله إلَّا الله) احترازٌ من المشرك بل هي بمعنى سعيد النَّاس، كقولهم النَّاقص والأشجِّ أعدلا بني مروان؛ يعني عادلا بني مروان، أو هو بمعناه الحقيقيِّ المشهور، والتَّفضيل بحسب المراتب، أي هو أسعد ممَّن لم يكن في هذه المرتبة من الإخلاص المؤكَّد البالغ غايته، والدَّليل على إرادة التَّأكيد ذكر القلب، إذ الإخلاص معدنه القلب، ففائدته التَّأكيد كما في قوله تعالى {فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ} [البقرة283] ، وإنَّما لم يقتصر على قوله (آثم) لأنَّ كتمان الشَّهادة هو أن يضمرها ولا يتكلَّم بها، ولمَّا كان إثمًا مقترنًا بالقلب؛ أُسنِد إليه؛ لأنَّ إسناد الفعل إلى الجارحة الَّتي يعمل بها أبلغ، ألا تراك تقول إذا أردت التَّأكيد أَبصرَته عيني وسَمِعته أذني [2] ، أو تقول على عدم السَّعادة لهما من الدَّلائل الخارجيَّة الدَّالَّة بالتَّصريح عليه، انتهى [3] .
قوله (مِنْ قَلْبِهِ) يتعلَّق بقوله خالصًا، أو بقوله قال، والظَّاهر الثَّاني.
إن قلتَ هو ظرفٌ لغوٌ أم مستقرٌ؟
قلتُ إن تعلِّق بـ (قال) ؛ فلغوٌ، وإلَّا فمستقرٌ، إذ تقديره حينئذٍ ناشئًا من قلبه.
إن قلتَ ما محلُّه؟
قلتُ الأصحُّ أنَّ اللَّغو لا محلَّ له من الإعراب، والمستقرُّ هنا منصوب على الحال.
قوله (أَوْ نَفْسِهِ) الشُّكُّ الظَّاهر أنَّه من أبي هريرة.
خاتمة
إن قلتَ هل يكفي مجرَّد (لا إله إلَّا الله) دون (محمَّد رسول الله) ؟
قلتُ لا يكفي، لكن جعل الجزء الأوَّل من كلمة الشَّهادة؛ إشعارًا بمجموعها، فالمراد الكلمة بتمامها، كما تقول قرأتُ {الم* ذَلِكَ الكِتَابُ} [البقرة1،2] ؛ أي السُّورة بتمامها.
إن قلتَ الإيمان هو التَّصديق القلبيُّ على الأصحِّ، وقول الكلمة لإجراء أحكام الإيمان عليه، فلو صدَّق بالقَلْب ولم يقل الكلمة؛ يَسْعد بالشَّفاعة.
قلتُ نعم، لو لم يكن مع التَّصديق منافٍ؛ ففائدة القول حكمنا عليه بتلك السَّعادة، أو المراد بالقول القول النَّفْسانيِّ لا اللِّسانيِّ، أو ذُكِرَ على سبيل التَّغليب، إذ الغالب أنَّ من صدَّق بالقلب قال باللِّسان الكلمة.
إن قلتَ التَّقييد بالنَّاس هل يفيد نفي السَّعادة عن الجنِّ والملَك؟
قلتُ لا، إذ هو مَفْهوم القلب، وهو مردودٌ ليس بحجَّة عند الجمهور.
إن قلتَ هل للعصاة وأصحاب النَّار شفاعة؟
قلتُ نعم، وهو مذهب الجماعة، وأمَّا المعتزلة؛ فقالوا الشَّفاعة للمطيع ولزيادة الثَّواب، وليس للعاصي ولا لإسقاط العقاب، وإطلاق الحديث حجَّة لنا عليهم.
[1] راجع «مشارق الأنوار» (2/ 311) .
[2] راجع «الكشاف» (1/ 357) .
[3] راجع «الكواكب الدراري» (2/ 94) .