98 -إشارة (عَطَاءٌ) بْنُ أَبِي رَبَاحٍ كان جعد الشَّعر أسود أفطس أشلَّ أعور أعرج، ثمَّ عمي، حجَّ سبعين حجَّةً، وعاش مئة سنة.
قوله (أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أتى بـ (على) لا باللَّام للاستعلاء بالعلم على خروجه [1] ، وذُكِرَ بلفظ الشَّهادة؛ تأكيدًا لتحقيقه وإثباتًا لوفوقه بوقوعه.
قوله (وَعَظَه) وفي بعضها بغير واو، جملةٌ إسميَّةٌ ونعت حالا، وذلك جائزٌ بغير ضعفٍ قال تعالى {اهْبِطُوْا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [الأعراف24] .
قوله (وَقَالَ إِسْمَاعِيْلُ) قال الكرمانيُّ هو ابن علية، وهذا مات في عام ولادة البخاريِّ، ويحتمل أن يكون عطفًا على (قال حدَّثني [2] شُعْبة) فيكون المراد حدَّثنا سلمان حدَّثنا إسماعيل، فيخرج من التَّعليق [3] ؛ انتهى، وقال والدي رحمه الله تعالى الَّذي ظهر لي أنَّه ابن علية [4] ،وأنَّه تعليقٌ [5] .
قوله (عَنْ عَطَاءٍ) كان مذهبه إذا كان العيد يوم جمعة؛ وجبت صلاة العيد ولا تجب بعدها لا جمعة ولا ظهر ولا صلاة بعد العيد إلى العصر [6] ، انتهى.
وعندنا إذا وافق يوم العيد يوم الجمعة وحضر أهل القرى الَّذين يبلغهم النِّداء لصلاة العيد وعلموا أنَّهم لو انصرفوا؛ فاتتهم الجمعة؛ فلهم أن ينصرفوا و يتركونها [7] نصَّ عليه في القديم والجديد، ويدل له ما روى أحمد وأبو وداود والنَّسائيُّ وابن ماجه والحاكم وصحَّ عن عمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز أنَّهم خطبوا بذلك [8] .
تنبيه قوله (فَظَنَّ أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ النِّسَاءَ) عندنا إذا فرغ من الخطبة ثمَّ علم أنَّ قومًا فاتهم سماع الخطبة؛ استحبَّ أن يعيدها لهم لهذا الحديث، وليس ذلك متأكَّدًا، فإنَّه عليه السَّلام فعله مرَّةً وتركه أكثر.
وقوله (أَنَّهُ لَمْ يُسْمِعِ) وفي بعضها (لم يسمع النّساء) مصرِّحًا بكلمة النِّساء وإنَّ مع اسمها وخبرها قائمةٌ مقام مَفْعوليِّ ظنَّ.
فائدة (القُرْطَ) بضمِّ القاف؛ ما كان في شحمة الأذن، ذهبًا كان أو غيره [9] ، و (الخَاتَمَ) لغاته معروفةٌ.
قال الغزاليُّ في «الإحياء» (لا أرى رخصة في تثقيب آذان الصَبِيَّة لأجل تعليق حُلِيِّ الذَّهب فيها، فإنَّ ذلك جرحٌ مؤلمٌ، ومثله مُوجِب للقصاصٌ، فلا يجوز إلَّا لحاجة مُهِمَّةٍ كالفصد والحجامة والختان، والتَّزيُّن بالحليِّ غير مهمٍّ، فهذا وإن كان معتادًا؛ فهو حرامٌ، والمنع منه واجبٌ، والاستئجار عليه غير صحيح، والأجرة المأخوذة عليه حرامٌ) [10] ، انتهى.
إن قلتَ في حديث أمِّ زرعٍ (أناس من حلىِّ أذني) [خ¦5189] وفيه أيضًا «فجعلن يلقين من أقرطتهنَّ وخواتمهنَّ في حجر بلال» [11] ؛ فالجواب إنَّه عليه السَّلام أقرَّ على التَّعليق لا على التَّثقيب، ويحتمَل أنَّهنَّ كنَّ يعلِّقن الحلق بغير ثَقْب للأذن كما يفعلن الآن.
وفي «الرِّعاية» للحنابلة أنَّ ثقب آذان البنات للزِّينة جائزٌ، ويُكرَه للصِّبيان [12] ، وفي «فتاوى قَاضِي خَان» لا بأس بتثقيب آذان الصِّبية؛ لأنَّهم كانوا يفعلونه في الجاهليَّة ولم ينكره عليهم صلَّى الله عليه وسلَّم [13] ) [14] .
وذكر ابن أبي زيد في «نوادره» أنَّ سارة غضبت على هاجر، فحلفت أن تقطع ثلاثة أعضاء من أعضائها، فأمرها سيِّدنا إبراهيم صلَّى الله عليه وسلَّم أن تبرَّ قسمها بثقب أذنيها وخفاضها، فصارت سنَّة في النِّساء، وقال الحسن بن إسحاق بن
ج 1 ص 111
راهويه وُلِدَ ابن [15] إسحاق مثقوب الأذنين، فمضى جدِّي راهويه إلى الفضل بن موسى فسأله عن ذلك، فقال يكن ابنك رأسًا إمَّا في الخير وإمَّا في الشَّر.
ورأيتُ بخطِّ والدي رحمه الله تعالى وقع في «الأوسط» للطَّبرانيِّ بسندٍ صحيحٍ ثقب أذن الصَّبيِّ يوم السَّابع من السَّنة من حديث ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما [16] .
خاتمة
فيه جواز صدقة المرأة من مالها بغير إذن زوجها، ولا يتوقَّف ذلك على الثُّلث من مالها، وهو مَذْهب الشَّافعيِّ والجمهور، وقال مالك لا تجوز الزِّيادة على الثّلث من مالها إلَّا برضى زوجها [17] ، وجه الدَّلالة [18] أنَّه عليه السَّلام لم يسألهنَّ هل استأذنَّ أزواجهنَّ في ذلك أم لا؟ هل هو خارجٌ عن الثُّلث أم لا، ولو اختلف الحكم بذلك؛ لسأل.
وأجاب عيَّاض بأنَّ الغالب حضور أزواجهنَّ، وإذا كان كذلك؛ فتركهم الإنكار رضًى منهم بفعلهنَّ [19] وهو ضعيفٌ كما قال النَّوويُّ؛ لأنَّهنَّ معتزلاتٍ لا يعلم الرِّجال المتصدِّقة منهنَّ من غيرها، ولا قدر ما يتصدَّقن به، ولو علموا؛ فسكوتهنَّ [20] ليس إذنًا [21] .
وأمَا حديث ابن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال «لا يجوز لامرأة في مالها إذا ملك زوجها عصمتها» رواه أبو داود والحاكم والنَّسائيِّ [22] .
وعن عمرو بن شعيب أنَّ أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال «لا يحلُّ لامرأة عطيَّة إلَّا بإذن زوجها» [23] .
قال البيهقيّ (الطَّريق إلى عمرو بن شعيب صحيحٌ، فمن أثبت أحاديث عمرو بن شعيب؛ لزمه إثباته [24] ) ؛ فالجواب عنه من أوجه؛ أحدها معارضته بالأحاديث الصَّحيحة الدَالَّة على الجواز عند الإطلاق، وهي أقوى منه، أو هي واقعةٌ حال، فيمكن حملها على أنَّها كانت قدر الثُّلث، وعلى تسليم الصِحَّة محمولٌ على النَّدب، والأولى والاختيار [25] والكلام في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه معروفٌ، وانظر «الميزان» [26] فقد أطال.
خاتمة
(بِلَالٌ) في بعض النُّسخ بدون الواو جملةٌ اسميَّةٌ وقعت حالً، وذلك جائزٌ بغير ضعفٍ، قال تعالى {اهْبِطُوْا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} [البقرة36] .
و (الصَّدقة) تتناول الفريضة والتَّطوُّع، لكنَّ الظَّاهر أنَّ المراد هنا هو الثَّاني، فاللَّام فيها للعهد بها، وإنَّما أمرهنَّ بها؛ لمَّا رآهنَّ أكثر أهل النَّار، وقيل أمرهنَّ بها؛ لأنَّه كان وقت حاجة إلى المواساة، والصَّدقة يومئذٍ كانت أفضل وجوه البرِّ.
[قوله فجعلت أي طفقت] وهي مثل كاد في الاستعمال.
إن قلتَ الحديث دلَّ على الوعظ، فما وجه دلالته على العلم حتَّى يدلَّ على تمام التَّرجمة؟
قلتُ من جهة أنَّ الأمر بالصَّدقة يستلزم التَّعليم.
[1] راجع «الكواكب الدراري» (2/ 91) .
[2] في الأصل «حدثني» ، والمثبت موافق لما في مصدره ومتن الحديث. [المثبت حدثنا]
[3] «الكواكب الدراري» (2/ 92) .
[4] «التلقيح» (1/ 47/ب) .
[5] انظر «التلقيح» (1/ 47/ب) .
[6] راجع «الكواكب الدراري» (2/ 91) .
[7] راجع «نهاية المحتاج» (2/ 291) .
[8] انظر «مسند الشاميين» (1799) (3/ 56) من حديث أَبِي عُبَيْدٍ سَعْدِ بْنِ عُبَيْدٍ الزُّهْرِيِّ.
[9] راجع «التوضيح» (3/ 480) .
[10] «إحياء علوم الدين» (2/ 341) .
[11] لم أقف عليه في «البخاري» ولا في غيره بهذا اللفظ، وفي «مسلم» (885) ، ولفظه (فَجَعَلْنَ يَتَصَدَّقْنَ مِنْ حُلِيِّهِنَّ، يُلْقِينَ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ مِنْ أَقْرِطَتِهِنَّ وَخَوَاتِمِهِنَّ) .
[12] «الرعاية» (/) .
[13] «فتاوى قاضي خان» (/) .
[14] راجع «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» (4/ 242) .
[15] في (خ 1) (أبي) .
[16] انظر «المعجم الأوسط» (558) (1/ 176) .
[17] راجع «المعونة على مذهب عالم المدينة» (ص 1179) ، «المبسوط» (10/ 111) ، «المغني» (4/ 348) ، «العزيز شرح الوجيز» (11/ 191) .
[18] في (خ 1) (وفي الدلالة للجمهور) .
[19] «إِكمَالُ المُعْلِمِ» (3/ 293) .
[20] في (خ 1) (سكوتهم) .
[21] انظر «المنهاج شرح صحيح مسلم» (6/ 173) .
[22] «سنن أبي داود» (3546) ، «سنن النسائي الكبرى» (6590) ، «المستدرك» (2299) (2/ 47) ، وهو في «مسند أحمد بن حنبل» (7058) من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما. [زيد في (خ 1) بعد لامرأة (أمر) والحديث فيها عن عمرو بن شعيب]
[23] «سنن أبي داود» (3547) ، و «سنن النسائي الكبرى» (2332) ، و «السنن الكبرى» للبيهقي (11115) (6/ 60) بلفظ (لَا يَجُوْزُ) .
[24] «السنن الكبرى» للبيهقي (6/ 60) .
[25] انظر «التوضيح» (32/ 48) .
[26] «ميزان الاعتدال» (3/ 264) .