97 -قوله (صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ) إن كان من (الحياة) فلا ينصرف لزيادة الألف والنُّون، وإن كان من (الحين) ؛ فينصرف.
لطيفة
قيل جاء رجلٌ اسمه حيَّان إلى ملكٍ، فقال للملك أينصرف حيَّان أم لا؟ فقال الملك إن أكرمتَه؛ فلا ينصرف، وإلَّا؛ فينصرف، ووجَّهوه بأنَّه إن أكرمه فكأنَّه أحياه، فيكون من الحيِّ؛ فلا ينصرف لزيادة الألف والنُّون، وإن لم يكرمه؛ فكأنَّه أهلكه، فيكون من الحين.
قوله (عَامِرٌ الشَّعبيُّ) تقدَّم الكلام على مثله [خ¦10] .
قوله (ثَلاثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ) (ثلاثة) مبتدأ، وتقديره ثلاثة رجال؛ أي فالمميِّز محذوفٌ، أو رجال ثلاثة، و (لَهُمْ أَجْرَانِ) جملة خبره، و (رجل) بدلٌ من ثلاثة، أو الجملة صفة، ورجل وما عُطِفَ عليه خبره، ورجل بدل بعض من كلٍّ بالنَّظر إلى كلِّ رجل، وبالنَّظر إلى المجموع بدل الكلِّ، وقال غيره و (رَجُلٌ) خبر مبتدأ محذوف، أي أحدها رجل.
قوله (مِنْ أَهْلُ الكِتَابِ) لفظ الكتاب وإن كان أعمُّ بحيث المفهوم من التَّوراة والإنجيل، لكن خصَّصه عرف استعمال الشَّرع بهما، ولعلَّ ذلك لأنَّ غير اليهود والنَّصارى لم يُوجدوا زمان البعثة المباركة، والمراد (نصرانيّ) تنصَّر قبل البعثة أو بلوغ الدَّعوة والمعجزة إليه، و (يهوديٌّ) تهوَّد قبل ذلك.
إن قلتَ ينبغي أن لا يكون الأجر المضاعف إلَّا للنَّصارى، إذ لا ثواب على العمل بالدِّين المنسوخ.
قلتُ لا نسلِّم أنَّ النَّصرانيَّة ناسخة لليهوديَّة، نعم؛ لو ثبت؛ لكان كذلك، انتهى كلام الكرمانيِّ. وفي حديث (ابتداء الوحي) كلام ابن كثير.
إن قلتَ يُحتمَل إجراؤه على عمومه، إذ لا يتعدَّى أن يكون طرفان للإيمان سببًا ليوفِّي تلك الأعمال، وإن كانت منسوخة كما ورد في الحديث أنَّ حسنات الكفَّار مقبولةٌ بعد إسلامهم.
قلتُ لا يحتمل إذ هذا الحكم حينئذٍ لا يكون مخصوصًا بأهل الكتاب؛ لأنَّ لفظ الكتاب في الحديث يتناول الكافر الحربيِّ، وليس له أجران قطعًا، وقد جاء في «الصَّحيح» أيضًا بدل آمن بنبيِّه آمن بعيسى، وفي الجملة اللَّام في الكتاب العهد، إمَّا عن التَّوراة والإنجيل، وأمَّا عن الإنجيل.
قوله (آمَنَ بِنَبِيِّهِ) أي بعيسى، أو به وبموسى.
إن قلتَ مَا الفائدة في ذكر (آمن بنبيِّه) إذ «أهل الكتاب» لا يكون إلَّا إذا كان مؤمنًا بنبيِّه؟
قلتُ الفائدة في ذكر (آمن بنبيّه) الإشعار بعلِّيَّة الأجر؛ أي سبب الأجرين الإيمان بالنَّبيَّيْن.
إن قلتَ أهذا مختصٌّ بمن آمن منهم في عَهْد البعثة أم شاملٌ لمن آمن منهم في زماننا أيضًا؟
قلتُ مختصٌّ بهم؛ لأنَّ عيسى صلَّى الله عليه وسلَّم ليس نبيَّهم بعدَ البعثة، بل نبيُّهم محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم، وحكم المرأة [1] حكم الرَّجل في ذلك [2] .
قوله (وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ) وصفه بالمملوك؛ لأنَّ جميع الأناسيِّ عباد الله سبحانه، فأراد تمييزه بكونه مملوكًا للنَّاس.
إن قلتَ هذا مخالفٌ لسابقه وللاحقه من وجهين من جهة التَّنْكير والتَّعْريف ومن جهة زيادة كلمة (إذا) ، والظَّاهر يقتضي أن يُقال عبد أو رجل مملوك أدَّى حقَّ الله؛ قلتُ لا مخالفة عند التَّحقيق، إذ المعرَّف باللَّام الجنس مؤدَّاه مؤدَّى النَّكرة، وكذا لا مخالفة في دخول إذا؛ لأنَّ إذا هو للظَّرف وآمن حال، والحال في حكم الظَّرف، إذ معنى جاء زيد راكبًا؛ جاء في وقت الرُّكوب، وفي وقت حاله، أو تقول خالف بينهما إشعارًا بفائدة عظيمة، وهي أنَّ الإيمان لا يفيد في الاستقبال الأجرين، بل لا بدَّ من الإيمان في عهده حتَّى يستحقَّ أجرين، بخلاف العبد، فإنَّه في زمان الاستقبال أيضًا يستحقُّ الأجرين، فجاء بلفظ (إذا) الدَّالَّة على معنى الاستقبال.
ج 1 ص 109
قوله (وَحَقُّ مَوَالِيْهِ) (المولى) سيأتي في التَّفسير من عند البخاريِّ أنَّه يُطلَق على معانٍ، وقال الكرمانيُّ المولى يُطلَق على معانٍ؛ منها السَّيِّد، وإنَّما لم يُحمَل على جميع مَعَانيه الغير المتضادَّة؛ لأنَّ ذلك عند عدم القرينة، أمَّا عند القرينة؛ يجب حمله على ما عيَّنته القرينة اتِّفاقًا.
إن قلتَ فَهلْ هُوَ مجازٌ في المَعْنى المعيَّن؟ إذ الاحتياج إلى القرينةِ هُوَ من علامات المجاز، أم لا؟
قلتُ حقيقة فيه، وليس كلُّ محتاج إلى القرينة مجاز [3] ، نعم المحتاج إلى القرينة الصَّارفة عن إرادة المعنى الحقيقيِّ مجاز، ومحصِّله أنَّ قرينة التَّجوُّز قرينة الدَّلالة، وهو غير قرينة الاشتراك الَّتي هي قرينة التَّعْيين، والأُولى هي من علامات المجاز لا الثَّانية، وإنَّما عَدَل عن لفظ المولى إلى لفظ الموالي؛ لأنَّه لمَّا كان المراد في (العَبْد) جنس العَبيد؛ جَمَع حتَّى يكون عند التَّوزيع لكلِّ عبدٍ مولى؛ لأنَّ مقابلة الجمع بالجمع أو ما يقوم مقامه مفيدةٌ للتَّوزيع، أو أراد أنَّ استحقاق الأجرين إنَّما هو عند أداءه حقَّ جميع مواليه لو كان مشتركًا بين طائفةٍ ولا محذور في أن يكون أجر المماليك ضعف أجر السَّادات، أو يكون أجره ضعفه من هذه الجهة، وقد يكون للسَّيِّد جهاتٌ أخر يستحقُّ بها أضعاف أجر العبد، أو المراد ترجيح العبد المؤدِّي للحقَّين على العَبْد المؤدِّي لأحدهما.
فإن قلتَ فعلى هذا يلزم أن يكون الصَّحابيُّ الَّذي كان كتابيًّا أجره زائدًا على أجر أكابر الصَّحابة، وذلك باطلٌ بالإجماع.
قلتُ الإجماع خصَّصهم وأخرجهم من هذا الحكم.
إن قلتَ فلو لم يطأها لكن أدَّبها ... إلى آخره، هل له أجران؟
قلتُ نعم، إذ المراد بـ (يطأها) يحلُّ له وطؤها سواءٌ كانت موطوءة أم لا.
فإن قلتَ أليس التَّأديب داخلًا تحت التَّعليم؟
قلتُ لا؛ لأنَّ التَّأديب يتعلَّق بالمروءات والتَّعليم بالشَّرعيَّات؛ أي الأوَّل عُرْفيٌّ والثَّاني شَرْعيٌّ، أو الأوَّل دنيويٌّ والثَّاني دينيٌّ [4] .
إشارة الأدب هو حُسْن الأحوال والأخلاق، فأحسن تأديبها أم أدَّبها من غير عنفٍ وضربٍ، بل باللُّطف والرِّفق، وعلَّمها؛ أي أحكام الشَّريعة ما يجب عليها.
قوله (ثُمَّ أَعْتَقَهَا) أتى بـ (ثمَّ) هنا، وفي أخواته بالفاء؛ لأنَّ التَّأديبَ والتَّعليم يتعقَّبان على الوطء، بل لا بدَّ منهما في نفس الوطء بل قبله أيضًا؛ لوجوبهما على السَّيِّد بعد التَّملُّك بخلاف الإعتاق، أو لأنَّ الإعتاق نقل من صنف من أصناف الأناسيِّ إلى صنفٍ آخر منها، ولا يخفى ما بين الصِّنفين المنتقل منه والمنتقل إليه من البُعْد، بل من الضِّدِّيَّة في الأحكام والمنافاة في الأحوال، فناسب لفظًا دالًّا على التَّراخي بخلاف التَّأديب وأخواته.
قوله (فَلَهُ أَجْرَانِ) الظَّاهر أنَّ الضَّمير راجع إلى الرَّجل الثَّالث، ويُحتمَل أن يرجعَ إلى كلٍّ من الثَّلاث، والعلَّة في تخصيص هؤلاء الثَّلاث، والحال أنَّ غيره أيضًا كذلك _مثل من صلَّى وصام، فإنَّ للصَّلاة أجرًا وللصَّوم أجرًا آخر وكذا مثل الولد، إذا أدَّى حقَّ والده وحقَّ الله_ أنَّ هذه الثَّلاث الفاعل في كلٍّ منْهمَا جامع بين أمرين بينَهما مخالفةٌ عظيمةٌ، كأنَّ الفاعل
ج 1 ص 110
لهما فاعلٌ للضِّدَّين عاملٌ بالمتنافيين بخلاف غيره، وإنَّما كرَّر لفظ (له أجران) ؛ لأنَّ البلغاءَ يُكرِّرون بعضَ الكلام حين قوله [5] ؛ اهتمامًا به [6] .
قال الحماسيُّ
~وإنَّ امرءًا دامت مواثيق عهده على مثل هذا إنَّه لكريم
إن قلتَ ظاهر الكلام يقتضي أن يكون له أربعة أجور أجرٌ بتأديبها، وأجرٌ بتعليمها، وأجرٌ بإعتاقها، وأجرٌ بتزويجها.
قلتُ الأجر المختصُّ بالإماء إنَّما هو بالإعتاق والتَّزويج، وأمَّا التَّأديب والتَّعليم؛ فيوجبان الأجر في الأجنبيِّ أيضًا، فلم يكن مختصًّا بالإماء، ولذا لم يذكر في العبد ولدفع أن يتوهَّم أنَّ في الإماء أُجِرُوا [7] أربعًا؛ عاد [8] ذكر الأجر [9] ، فقال «فله أجران» ، ولم يذكر في أهل الكتاب والعبد المملوك، ويحتمل أن يكون الأجرين لإرادة تأكيد حال الأمة، فإنَّ إثبات [10] الأمرين الموجبين للأجرين فيها مستحبٌّ، فيجوز تركه بخلاف ما ذُكِرَ في أهل الكتاب والعبد المملوك، فإنَّه واجبٌ فلا يجوز تركه، ويجوز أن يعود قوله «فله أجران» إلى كلِّ واحدٍ من الرَّجلين والعبد المملوك، والأجران في مقابلة الأعيان [11] والتَّزويج وذكر التَّأديب والتَّعليم؛ ليتمَّ الأجر بهما ويكمل، فإن تزوُّج المرأة المؤدَّبة العالمة أكثر بركة وأعون للزَّوج على أمر الدِّين، انتهى [12] ، وقد ورد في رواية (في كلِّ خصلة من الثَّلاث أعاده فله أجران) .
خاتمة
إن قلتَ كيف يدلُّ على التَّرجمة إذ ليس فيه ما يدلُّ على تعليم الأهل؟
قلتُ بالقياس على تعليم الأمة، أو ترجم وأراد أن يلحق به حديثًا يدلُّ عليه ولم يتَّفق.
[1] أي الكِتَابِيَّة.
[2] «الكواكب الدراري» (2/ 88) .
[3] كذا في الأصل، ولعلَّه على إضمار الشأن.
[4] راجع لما سبق «الكواكب الدراري» (2/ 88) .
[5] في (خ 1) (طوله) .
[6] «الكواكب الدراري» (1/ 89 - 90) .
[7] في (خ 1) (أجورًا) .
[8] في (خ 1) (أعاد) .
[9] في (خ 1) (الأجرين) .
[10] في (خ 1) (إتيان) .
[11] في (خ 1) (الإعتاق) .
[12] راجع «الكاشف عن حقائق السنن» (2/ 451) ، «الكواكب الدراري» (1/ 90) .