9 -قوله (بِضْعٌ) بكسر الباء وفتحها، وفي رواية (بضعة) وهذه تحتاج إلى تأويل [1] .
إشارة هنا (بِضْعٌ وَسِتُّونَ) وفي «مسلمٍ» وسبعون، وفي أخرى (بضع وسبعون أو بضع وتسعون) على الشَّكِّ [2] ، وفي «أبي داود» و «الترمذيِّ» (بضع وسبعون) بلا شكٍّ.
عياض الصَّواب ما وقع في سائر الأحاديث وكسائر الرُّواة (بضع وسبعون) [3] .
ومنهم من رجَّح رواية (بضع وستُّون) لأنَّها المتيقَّن [4] .
النَّوويُّ الصَّواب ترجيح (بضع وسبعون) لأنَّها زيادةُ من ثقات وزيادة الثِّقات مقبولةٌ مقدَّمة، وليس في رواية (بضع وستون) ما يمنع الزيادة. [5]
أقول إنَّ المراد من زيادة الثِّقات زيادة لفظةٍ في الرِّواية، وقيل ليس منها، بل هو من باب اختلاف الرِّوايتين فقط، وإنَّ رواية (بضع وستُّون) لا ينفي ما عداها، إذ التَّخصيص بالعدد لا يدلُّ على نفي الزَّائد.
ويحتمَل أن تكون رواية السِتِّين مقدَّمةٌ على رواية السبعين، فإنَّ شعب الإيمان عند صدوره من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم هذا القدر، ثمَّ قال مرَّةً أخرى عند زيادة الشعب بلفظ (سبعون) فيكون كلاهما صوابًا [6] .
قوله (وَالحَيَاءُ) بالمدِّ، إنَّما خصَّ الحياء بالذِّكر من بين سائر الشُّعَب؛ لأنَّ الحياء الإيمانيَّ يمنع من ارتكاب جميع المعاصي، فصار الحياء كثير الجدوى من بين سائر الشُّعَب؛ قاله شارح المصابيح السَّخوميُّ [7] .
وقال الكرمانيُّ (الحياء) تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري نفس الإنسان من خوف ما يُعاب به ويُذَمُّ، وقد يُعرَفُ أيضًا بأنَّه انحصار النَّفس خوف انكشاف القبائح، واشتقاقه من (الحيوة) وإنَّما كان الحياء شعبةً منه؛ لأنَّه يحجز صاحبه من المعاصي؛ إذ الإيمان ينقسم إلى ائتمار المأمور به، وإلى انتهاء المنهيِّ عنه، وإنَّما أفرده بالذِّكر؛ لأنَّه كالدَّاعي إلى سائر الشُّعب، فإنَّ الحييَّ يخاف فضيحة الدُّنيا وفظاعة الآخرة، فينزجر عن المعاصي ويمتثل الطَّاعات كلِّها.
وأمَّا تخصيص السِّتِّين؛ فلأنَّ العدد إمَّا زائدٌ، وهو مَا أجزاؤه أكثر منه، كاثني عشر فإنَّ لها نصفًا وثلثًا وربعًا وسدسًا، ونصف سدس، ومجموع هذه الأجزاء أكثر من اثني عشر، فإنَّه ستَّة عشر، وإمَّا ناقص وهو ما أجزاؤه أقلُّ منه كالأربعة، فإنَّ لها الرُّبع والنِّصف فقط.
وإمَّا تامٌّ؛ وهو ما أجزاؤه مثله كالسِّتَّة، فإنَّ أجزاءها النِّصف والثُّلث والسُّدس، وهي مساويةٌ للسِّتَّة، والفضل من بين الأنواع الثَّلاثة للتَّامِّ، فلمَّا أريد المبالغة فيه؛ جعلت آحادها، أعشارًا فذكره لمجرَّد الكثرة، أو لأنَّ هذا القدر كان هو شعب الإيمان حينئذ، فذكره لبيان الواقع، والله أعلم.
فائدة قال البيضاويُّ يحتمل أن يُراد بهذا العدد أي بالبضع والسبعين التكثير دون التَّقدير، كما في قوله تعالى {سَبْعِيْنَ مَرَّةً} [التَّوبة80] ، واستعمال لفظي السَّبع والسَّبعين للتَّكثير كثيرٌ؛ لأنَّ السَّبعة يشتمل على جملة أقسام العدد، فإنَّه ينقسم إلى فرد وزوج، وكلٌّ منهما إلى أوَّل ومركَّب، فالفرد الأوَّل ثلاثة، والمركَّب خمسة، والزَّوج الأوَّل اثنان، والمركَّب أربعة، وينقسم أيضًا إلى مُنْطَق كالأربعة وأَصَمٍّ كالسِّتَّة، والسَّبعة يشتمل على جميع هذه الأقسام، ثمَّ إن أريد مبالغة جُعِلَت آحادها أعشارًا [8] .
[1] «فتح الباري» (1/ 51) .
[2] «صحيح مسلمٍ» (35) .
[3] انظر «مشارق الأنوار» (2/ 206) .
[4] انظر «صيانة صحيح مسلم» (ص 195 - 196) .
[5] انظر «التَّوضيح» (2/ 472، 473) ، «عمدة القاري» (1، 125) .
[6] في الأصل (صواب)
[7] انظر «عمدة القاري» (1/ 129،130) .
[8] انظر «الكواكب الدراري» (1/ 84) .