فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 6723

79 -إشارة (مَثَلُ) بفتح المثلَّثة، المراد منه هنا الصِّفة العجيبة الشَّأن، لا القول السَّائر، وتقدَّم.

قوله (الهُدَى وَالعِلْمِ) الهدى هو الدَّلالة الموصلة إلى البُغْية، والعلم صفة تُوجِب تمييزًا لا يحتمل متعلِّقه النَّقيض، وجُمِع بينهما نظرًا إمَّا إلى أنَّ الهدى بالنِّسبة إلى الغير؛ أي التَّكميل والعلم بالنِّسبة إلى نفس الشَّخص؛ أي الكمال، وإمَّا إلى أنَّ الهدى هو الدَّلالة، والعلم هو المدلول، وقيل الهدى، والعلم هو الطَّريقة والعمل، انتهى كلام الكرمانيِّ.

تنبيه العلم هو صفةٌ يتجلَّى بها المذكور لمن قامت به؛ أي يتَّضح ويظهر ما يذكر، ويمكن أن يعبِّر عنه موجودًا كان أو معدومًا.

قيل إدراك الحواس وإدراك العقل من التَّصوُّرات والتَّصديقات اليقينيَّة، وغير اليقينيَّة، بخلاف قولهم صفةً تُوجِب تمييزًا لا يحتمل النَّقص، فإنَّه وإن كان سائلًا لإدراك الحواس

ج 1 ص 99

بناءً على عدم التَّقييد بالمعاني والتَّصوُّرات بناءً على أنَّها لا نقائض لها على ما زعموا، لكنَّه لا يَشْملُ غير اليقينيَّات من التَّصديقات، هذا ولكن ينبغي أن يحتمل التَّجلِّي على الانكشاف التَّامِّ الَّذي لا يشمل الظَّنَّ؛ لأنَّ العلم عندهم مقابلٌ للظَّنِّ، انتهى.

قوله (نَقِيَّةً) بنون مفتوحة، ثمَّ قافٍ مكسورة، ثمَّ ياءٍ مثناة؛ أي طيِّبة طاهرة، ورواه الخطَّابيُّ وغيره (ثغبة) [1] قال (وهو مستنقع الماء في الجبال والصُّخور) [2] ، وقال عيَّاض (وهو تصحيف) [3] .، وقال في «المطالع» غلط من النَّاقلين وتصحيف وإحالة للمعنى؛ لأنَّه إنَّما جُعِلَت هذه الطَّائفة الأولى مثلًا لما ينبت، و (الثُّغبة) لا تنبت.

قوله (قَبِلَتْ) بالموحَّدة بعد القاف من القبول، وفي بعضها (قيَّلت) بالياء مشدَّدة، قالوا معناه أمسكت.

قوله (وَالكَلَأَ) مقصورٌ مهموزٌ يقع على الرَّطب واليابس من النَّبات [4] و (الْعُشْبُ) هو من باب عطف الخاصِّ على العامِّ [5] ، والتَّخصيص بالذِّكر لفائدة الاهتمام به؛ لشرفه ونحوه.

قوله (أَجَادِبُ) بالجيم والدَّال المهملة [6] ؛ الأرض الَّتي لا تُنبِتُ كلأً.

الخطَّابيُّ هي الأرض الَّتي تمسك الماء فلا يسرع فيه النُّضوب، وقالوا هو جَمْع (جدب) على غير قياسٍ، كما قالوا أحسن جمعه محاسن، والقياس أنَّه جمع محسن، أو جمع جديب وهو من الجدب الَّذي هو القحط، وفيه رواية ثانية أنَّها بالمعجمة؛ حكاها عيَّاض والخطَّابيُّ، وقال (هي صلاب الأرض الَّتي تمسك الماء) [7] .

قال عيَّاض (لم يُروَ هذا الحرف في «مسلم» وغيره إلَّا بالدَّال المهملة من «الجدب» الَّذي هو ضدُّ الخصب) [8] ، وصحَّفه بعضهم (أحارب) بالحاء والرَّاء المهملتين، وقال بَعْضهم (أجارد) بالجيم والرَّاء والدَّال وَهُو صحيح المَعْنى إن ساعدته الرِّواية [9] . وقال بعضهم إنَّما هي (أخاذات) بالخاء والذَّال المعجمتين سَقَط منهَا الألف، جمع (إخاذة) وهي المسَّاكات الَّتي تمسك الماء كالغُدْران [10] .

إشارة (سَقَى وَأَسْقَى) بمعنى لغتان، وقيل سقاه ناوله ليشرب، وأسقاه جعل له سقيا.

فائدة (زَرَعُوا) وقع بدله في «مسلم» رعوا من الرعي.

قوله (طَائِفَةً) بالنَّصب، والطَّائفة القطعة.

قوله (قِيْعَانٌ) بكسر القاف جمع قاع الأرض المستوية أو الملساء، أو الَّتي لا نبات فيها [11] ، وفي قول إسحاق [12] (قيَّلت) قيَّده الأصيليُّ بالمثنَّاة تحت [13] ، قال [14] وهو تصحيفٌ منه، وإنَّما هو بالباء الموحَّدة، وقال غيره معناه شربت القَيْلَ، وهو شرب نصف النَّهار، وقيل معناه جَمَعَتْ وحَبَسَت [15] ، قال القاضي عياض ورواه سائر الرُّواة غير الأصيليِّ (قبلت) يعني بالموحَّدة في الموضعين أوَّل الحديث وفي قول إسحاق) [16] فعلى هذا إنَّما خالف إسحاق في لفظ (طائفة) جعلها مكان (نقيَّة) [17] .

قوله (وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللهِ) اكتفى بذكر (الهدى) عن (العلم) ؛ لأنَّ نفي قبوله مُسْتلزمٌ لنفي قبول العلم، وإنَّما اختير الغيث من بين سائر أسماء المطر؛ ليؤذن باضطرار الخلق إليه حينئذٍ، قال تعالى {وَهُوَ الَّذِيْ يُنَزِّلُ الغَيْثَ} [الشُّورى28] ، وقد كان النَّاس قبل المبعث قد امتُحنوا بموت القلوب، ونضوب العلم حتَّى أصابهم الله برحمةٍ من عنده.

وإنَّما ضرب المثل بالغيث؛ للمشابهة الَّتي بينه وبين العلم، فإنَّ الغيث يحيي البلد الميِّت، والعلم يحيي القلب الميِّت [18] .

فائدة قال الخطَّابيُّ هذا مثلٌ ضُرِبَ لمن قبل الهدى، وعلم ثمَّ علَّم غيره، فنفعه الله ونفع به، ولمن لم يقبل الهدى، فلم ينتفع بالعلم، ولم يُنتَفَع به [19] .

قال الكرمانيُّ فعلى هذا التَّقرير لم يجعل النَّاس ثلاثة أنواع، بل نوعان.

قال الطَّيبيُّ والقسمة الثَّانية هي المتصوَّر، وذلك أنَّ «أصاب منها طائفة» معطوفٌ على «أصاب أرضًا» و «كانت» الثَّانية معطوفة على «كانت» [20] لا على «أصاب» وقسمت الأرض الأولى إلى النَّقيَّة، وإلى الأجادب، والثَّانية

ج 1 ص 100

على عكسها، فالواو في (وكانت) ضُمَّتْ وترًا إلى وترٍ وفي (أصاب) شفعًا إلى شفع، وهو نحو قوله {إِنَّ المُسْلِمِيْنَ وَالمُسْلِمَاتِ وَالمُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ} [الأحزاب35] من جهة أنَّه عطف الإناث على الذُّكور أوَّلًا، ثمَّ عطف الزَّوجين على الزَّوجين، وكذا ههنا عطف «كانت» على «كانت» ثمَّ عطف «أصاب» على «أصاب» .

فالحاصل أنَّه قد ذُكِر في الحديث الطَّرفان العالي في الاهتداء والغالي في الضَّلال، فعبَّر عمَّن قبل هدى الله والعلم بقوله (فَقُه) ، وعمَّن أبى قبولهما بقوله (لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأسًا) لأنَّ ما بعدهما وهو (نفعه ... ) إلى آخره في الأوَّل، (ولم يقبل هدى الله ... ) إلى آخره في الثَّاني عطفٌ تفسيريٌّ لـ (فقُه) ولقوله (لم يرفع) ؛ وذلك لأنَّ الفقيه هو الَّذي علم وعمل، ثمَّ علَّم غيره وترك الوسط وهو قسمان

أحدهما الَّذي انتفع بالعلم في نفسه فحسب.

والثّاني الَّذي لم ينتفع هو بنفسه، ولكن نفع الغير [21] .

قال المظهريُّ؛ شارح «المصابيح» اعلم أنَّه ذكر في تقسيم الأرض ثلاثة أقسام، وفي تقسيم النَّاس باعتبار قبول العلم قسمين

أحدهما من فَقُه ونفع الغير، والثَّاني من لم يرفع به رأسًا، وإنَّما ذكره كذلك؛ لأنَّ القسم الأوَّل والثَّاني من أقسام الأرض كقسم واحد من حيث أنَّه منتفعٌ به، والثَّاني هو ما لا يُنتفَع به، وكذلك النَّاس قسمان؛ من يقبل، ومن لا يقبل، وهذا يُوجِبُ جعل النَّاس في الحديث على قسمين من ينتفع به ومن لا ينتفع به، وأمَّا في الحقيقة؛ فالنَّاس على ثلاثة أقسامٍ؛ فمنهم من يقبل من العلم بقدر ما يعمل به ولم يبلغ درجة الإفادة، ومنهم من يقبل ويبلِّغ، ومنهم من لا يقبل [22] .

أقول [23] ويحتمل لفظ الحديث لتثليث القسمة في النَّاس أيضًا بأن يُقدَّر قبل لفظ (نفعه) كلمة (من) بقرينة عطفه على (من فقه) كما في قول الشَّاعر [البحر الوافر] ؛ هو حسَّان كما في «مسلم»

~أمن يهجو رسول الله منكم ويمدحه وينصره سواء [24]

إذ تقديره ومن يمدحه، وحينئذٍ يكون الفقيه بمعنى العالم باللَّفظ مثلًا، وفي مقابله (الأجادب) والنَّافع في مقابله (النَّقيَّة) على اللَّفِّ والنَّشر الغير المرتَّبين، و (من لم يرفع) في مقابله (القيعان)

إن قلتَ لمَ حذف لفظ (من) ؟

قلتُ إشعارًا بأنَّهما في حكم شيءٍ واحدٍ؛ أي في كونه ذا انتفاع في الجملة كما جعل للنَّقيَّة والأجادب حكمًا واحدًا، ولهذا لم يعطف بلفظ (أصاب) في الأجادب، وكرَّر لفظ (مثل) في (من لم يرفع) ؛ لأنَّه نوعٌ آخر مقابلٌ لما تقدَّم، والحديث فيه تشبيهات متفرِّقة متعدِّدة باعتبار الأجزاء، كتشبيه ما بعثه الله به بالغيث الكثير، وكتشبيه أنواع الأرض بأنواع النَّاس، والأوَّل من تشبيه المعقول بالمحسوس، والثَّاني تشبيه المحسوس بالمحسوس، ويحتمل أن يكون تشبيهًا واحدًا من باب التَّمثيل؛ أي تشبيه صفة العلم الواصل إلى أنواع النَّاس من جهة اعتبار النفع وعدمه بصفة المطر المصيب إلى أنواع الأرض من تلك الجهة، و (ذلك مثل من فقه) ليس داخلًا في التَّشبيه، بل هو تشبيهٌ آخر، ذُكِرَ كالنَّتيجة للأول

ج 1 ص 101

ولبيان المقصود منه [25] .

تنبيه قوله (قَالَ إِسْحَاق) الأشبه أنَّ المراد ابن راهويه؛ قاله الكرمانيُّ [26] ، وقال ابن الملقِّن ويظهر أن يكون ابن راهويه [27] .

خاتمة

(فَقُه) الفقه الفهم، يُقال فقِه بكسر القاف يفقه كـ (فرِح يفرَح) ، وأمَّا المعنى الشَّرعيِّ فقالوا يُقال (فقُه) بضمِّ القاف، وقال ابن دريدٍ بكسرها كالأوَّل، والمراد منه هنا هذا الثَّاني، فتضمُّ القاف على المشهور، وعلى قول الدريدي تكسر، وقد رُوِيَ بالوجهين، والمشهور الضَّمُّ، انتهى كلام الكرمانيِّ، وقال غيره (فقيه) اسم فاعل من (فقُه) بضمِّ القاف، ومعناه صار الفقه له سجيَّة، وليس اسم الفاعل من (فقِه) بكسر القاف؛ أي فهم، ولا مِن فقَه بفتحها؛ إي سبق غيره إلى الفقه، لما تقرَّر في علم العربيَّة أنَّ قياسه فاقه، وقوله (لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا) يعني تكبَّر، يُقال ذلك ويُراد به أنَّه لم يُلتفَت إليه من عناده وكبره.

[1] وهي رواية الكُشْمِيهَنِي، راجع «عمدة القاري» (1/ 197) .

[2] «أعلام الحديث» (1/ 198) .

[3] «مشارق الأنوار» (1/ 134) .

[4] «إِكمَالُ المُعْلِمِ» (5/ 238) .

[5] «الكواكب الدراري» (2/ 56) .

[6] وهي رواية الأصِيلي، راجع «إرشاد الساري» (1/ 179) .

[7] «أعلام الحديث» (1/ 198) .

[8] «إِكمَالُ المُعْلِمِ» (7/ 250) .

[9] «أعلام الحديث» (1/ 198) .

[10] انظر الكلام في «التوضيح» (3/ 410) .

[11] «المنهاج شرح صحيح مسلم» (15/ 47) .

[12] أي ابْن رَاهُوْيَه، وسيأتي، راجع «الكواكب الدراري» (2/ 59) .

[13] وكذا في «اليونينيَّة» .

[14] أي الأصيليُّ عن رواية إسحاق.

[15] راجع «مشارق الأنوار» (2/ 170) .

[16] «مشارق الأنوار» (2/ 170) .

[17] انظر الكلام في «التوضيح» (3/ 411 - 410) .

[18] «الكواكب الدراري» (2/ 57) .

[19] «أعلام الحديث» (1/ 199) .

[20] كذا في الأصل تبعًا لرواية الحديث التي شرح عليها الطيبيُّ، ورواية الحديث هنا (كان) .

[21] انظر «الكاشف عن حقائق السنن» (2/ 618) .

[22] «الكاشف عن حقائق السنن» (2/ 616) .

[23] القائل الكَرمانيُّ.

[24] البيت من قصيدةٍ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ، قالَها قبلَ فتح مكَّة، مدَح بها النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وتوعَّد فيها قُرَيشًا وهَجَا أبَا سُفْيَان؛ لهجائه قبلَ إسلامِه النَّبِيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو مِن شواهدِ حَذْفِ المَوْصُولِ الاسْمِيِّ، راجع «ديوان حسان بن ثابت» (ص 20) ، «مغني اللبيب» (ص 815) .

[25] انظر الكلام بتمامه في «الكواكب الدراري» (2/ 58) .

[26] انظر «الكواكب الدراري» (2/ 59) .

[27] «التوضيح» (3/ 408) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت