فهرس الكتاب

الصفحة 132 من 6723

73 -قوله (عَلَى غَيْرِ مَا حَدَّثَنَاهُ الزُّهْرِيُّ) إمَّا مغايرة في الإسناد، وإمَّا مغايرة في اللَّفظ، وإمَّا في غير ذلك [1] ، والقائل سفيان بن عيينة.

قوله (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ) إن قلتَ ما هذه الظَّرفيَّة، وكيف هي والحسد موجودٌ في الحاسد لا فيهما؛ قلتُ معناه لا حسد للرَّجل إلَّا في شأن اثنتين.

فإن قلتَ الحسدُ قد يكون في غيرهما، فكيف يصحُّ الحصر؟

قلتُ المقصود لا حسد جائزٌ في شيء إلَّا في اثنتين أو لا رخصة في الحسد في شيءٍ إلَّا في اثنتين.

إن قلتَ لا حسد إلَّا في غير هذين الاثنين، فإنَّ ما فيهما غبطة لا حسد.

قلتُ أطلق الحسد وأراد الغبطة؛ ولهذا عبَّر البخاريُّ عنه في التَّرجمة بلفظ الاغتباط.

الخطَّابيُّ معنى الحسد هنا؛ شدَّة الحرص والرَّغبة، كنَّى بالحسد عنهما؛ لأنَّه سببه، والدَّاعي إليه، ومعنى الحديث التَّرغيب في التَّصدُّق بالمال، وتعليم العلم.

وقيل إنَّ فيه تخصيصًا لإباحة نوعٍ من الحسد، وإخراجًا له من جملة ما حُظِرَ منه، وإنَّما رخَّص فيهما؛ لما يتضمَّن مصلحة في الدِّين، وكما رخَّص في نوعٍ من الكذب؛ لتضمُّن فائدة هي فوق آفَّة الكذب، وإن كان جملة محظورًا.

وأقول [2] ويحتمل أن يكون من قبيل قوله تعالى {لَا يَذُوْقُوْنَ فِيْهَا المَوْتَ إِلَّا المَوْتَةَ الأُوْلَى} [الدُّخان56] ؛ أي لا حسد إلَّا في هذين الاثنين، لكن فيهما لا حسد أيضًا، فلا حسد أصلًا [3] .

وقال ابن الملقِّن أطلق الحسد عليه لأنَّها سببه، وسمَّاه البخاريُّ اغتباطًا؛ لأنَّ من أُوتِي مثل هذا ينبغي أن يُغبَط به ويتنافس فيه، إلى أن قال وفيه قولٌ ثانٍ أنَّه تخصيصٌ لإباحة نوع من الحسد وإخراجٌ له عن حمله ما حظر منه، كما رُخص في نوعٍ من الكذب، وإن كانت جملته محظورة، فالمعنى لا إباحة لشيءٍ من الحسد إلَّا ممَّا كان هذا سبيله؛ أي لا حسد محمودٌ إلَّا هذا، وقيل إنَّه استثناءٌ منقطعٌ بمعنى لكن، في اثنتين.

قوله (اثْنَتَيْنِ) معناه خصلتين.

قوله (رَجُلٌ) بدل على تقدير حذف مضاف؛ أي خصلة رجل، والرَّفع والنَّصب على القطع.

قوله (مَالًا) نكَّر مالًا وعرَّف الحكمة؛ لأنَّ الحكمة المراد بها مَعْرفة الأشياء الَّتي جاء الشَّرع بها؛ أي الشَّريعة، فأراد التَّعريف بلام العهد، بخلاف المال، ولهذا يَدْخل صاحبه بأيِّ قدر من المال أهلكه في الحقِّ تحت هذا الحكم [4] .

إشارة قوله (هَلَكَتِهِ) أي هلاكه، وفي هذه العبارة مبالغتان

أحدهما التَّسليط، فإنَّه يدلُّ على الغلبة وقهر النَّفس المجبولة على الشُّحِّ البالغ.

وثانيهما لفظ على هلكته، فإنَّه يدلُّ على أنَّه لا يبقى من المال باقيًا، ولمَّا أوهم اللَّفظان التَّبذير؛ وهو صرف المال فيما لا ينبغي؛ كمَّله بقوله «في الحقِّ» دفعًا لذلك، وكذا القرينة الأخرى اشتملت على مبالغتين

إحداهما الحكمة، فإنَّها تدلُّ على علم دقيقٍ محكمٍ.

والثَّانية القضاء بين النَّاس وتعليمهم، فإنَّها من خلافة النُّبوَّة، ثمَّ إنَّ لفظ الحكمة إشارة إلى الكمال العلميِّ، ويفضي إلى الكمال العمليِّ، وبعلمهما إلى التَّكميل.

واعلم أنَّ الفضيلة إمَّا داخليَّة، وإمَّا خارجيَّة، وأصل الفضائل الدَّاخليَّة العلم، وأصل الفضائل الخارجيَّة المال، ثمَّ الفضائل إمَّا تامَّة، وإمَّا فوق التَّامَّة، والأخرى أفضل من الأولى؛ لأنَّها مكمِّلةٌ متعدِّيةٌ، وهذه قاصرةٌ غير متعدِّية.

[1] «الكواكب الدراري» (2/ 42) .

[2] القائل الكرمانيُّ.

[3] في الأصل (أيضًا) ، والمثبت من مصدره.

[4] «الكواكب الدراري» (2/ 43) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت