66 -قوله (بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ) جالس خبر مبتدأِ محذوفٍ؛ أي هو جالسٌ، وهذه هي الجملة؛ لأنَّ (بين) هي من الظُّروف الَّتي لزم إضافتها إلى الجملة، وجاء في بعض الرِّوايات مصرَّحًا به، والعاملة هنا في (بين) معنى المفاجأة، المستفادة من لفظ إذ أقبل.
قوله (ثَلَاثَةُ نَفَرٍ) معناه ثلاثة هي نفر كأنَّ النَّفر هو بيانٌ للثَّلاثة، أو المراد من النَّفر معناه العرفيُّ، إذ هو بحسب العرف يُطلَق على الرَّجل، فكأنَّه قال ثلاثة رجال، وإنَّما احتجنا إلى هذا التَّأويل؛ لأنَّ على هذا التَّقدير أقلُّ ما فُهِم منه هنا تسعة رجال، لأنَّ أقلَّ النَّفر ثلاثة، لكنَّه ليس كذلك.
إن قلتَ مميِّز الثَّلاثة لا بدَّ أن يكون جمعًا، والنَّفر ليس بجمع؛ قلتُ النَّفر اسم جمع، واسم الجمع في وقوعه تمييزًا كالجمع، نحو قوله تعالى {تِسْعَةُ رَهْطٍ} [النَّمل48] .
قال في «الكشَّاف» إنَّما جاز تمييز التِّسعة بـ (الرَّهط) ؛ لأنَّه في معنى الجماعة، فكأنَّه قيل تسعة أنفس، انتهى.
إشارة الفرق بين الرَّهط والنَّفر؛ أنَّ (الرَّهط) من الثَّلاثة إلى العشرة، أو من السَّبعة [1] إلى العشرة، و (النَّفر) من الثَّلاثة إلى التِّسعة، ولا يخفى مخالفته لما في الصِّحاح.
قوله (أَقْبَلَ اثْنَانِ) قال أوَّلًا أقبل ثلاثة، ثمَّ قال هنا اثنان، فالمراد من الإقبال أوَّلًا إلى المجلس
ج 1 ص 91
أو إلى جهتهم، وثانيًا الإقبال إلى النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أو المراد فأقبل من تلك الثَّلاثة اثنان، وإنَّما قال وأمَّا الثَّالث؛ فأدبر ذاهبًا مع ما تقدَّم، وذهب واحدٌ؛ لأنَّه علم من ذكره أوَّلًا أنَّه لم يُقبِل إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ومن ذكره ثانيًا أنَّه أدبر مستمرًّا في ذهابه ولم يرجع.
قوله (أَلَا أُخْبِرُكُمْ) ألا حرف التَّنبيه، سواءٌ فيه ما كان المخاطب مفردًا أو مثنَّىً أو مجموعًا، ويُحتمَل أن تكون الهمزة للاستفهام، ولا للنَّفي، وفي الكلام طيٌ، كأنَّهم قالوا أخبرنا، فقال أمَّا أحدهم.
قوله (فَأوَى) بالمقصورة، معناه أوى إلى الله تعالى؛ لجأ إليه.
قال القاضي عيَّاض (وعندي أنَّ معناه دخل مجلس ذكر الله و «آوَاهُ اللهُ» أي قرَّبه، وقيل آواه إلى جنَّته [2] )
قوله (فَآواهُ اللهُ) ممدودٌ ومقصورٌ [3] .
قوله (فَاسْتَحْيَا) أي ترك المزاحمة والتَّخطِّي حياءً من الله ورسوله والحاضرين، أو استحيا منهم أن يُعرِض ذاهبًا، فاستحيا الله منه؛ أي رحمه ولم يعاقبه.
الكرمانيُّ الإيواء هو الإنزال عندك لا يتصور في حقِّ الله تعالى، وكذا الاستحياء؛ لأنَّه تغيُّرٌ وانكسارٌ يعتري الإنسان من خوف ما يُغَمُّ به، وكذا الإعراض؛ لأنَّه التفات إلى جهة أخرى، فهي مجازاة عن لوازمها، كإرادة إيصال الخير اللَّازمة للإيواء وترك العقاب للاستحياء والإذلال للإعراض ونحو ذلك، والقاعدة الكلِّيَّة في أمثال هذه الإطلاقات الَّتي لا يمكن حملها على ظواهرها أن يراد بها غاياتها ولوازمها.
والعلاقة بين المعنى الحقيقيِّ والمعنى المجازيِّ اللُّزوم.
والقرينة الصَّارفة عن إرادة الحقيقة العقل، إذ لا يُتصوَّر عقلًا صدورها عن الله تعالى، والفائدة في العدول عن الحقيقة إليه فوائد كثيرة كبيان الشَّيء بطريق عقليٍّ، وزيادة توضيح وكتحسين اللَّفظ، وهذا من باب المشاكلة، وهذه الأفعال الثَّلاثة يجوز أن تكون إخبارًا أو دعاءً، لكنَّ الأوَّل أظهر.
ويُحتمَل أن يكون أيضًا من باب التَّشبيه؛ أي يفعل الله كما يفعل المؤوي والمستحي والمعرض.
«الكشَّاف» إن قلتَ كيف جاز وصف القديم بالاستحياء؟ قلتُ هو جائزٌ على سبيل التَّمثيل، مثل تركه بترك من يترك شيئًا حياءً منه.
ووجه مناسبة هذا الباب بكتاب العلم من جهة أنَّ المراد بالحلقة حلقة العلم.
قوله (فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ) أي لم يرحمه وسخط عليه، وحمله بعضهم على من ذهب معرضًا لا لعذرٍ، فمن أعرض عن نبيِّه صلَّى الله عليه وسلَّم وزهد فيه فليس بمؤمنٍ، وإن كان هذا مؤمنًا وذهب لحاجة دنيويَّة أو ضروريَّة، فإعراض الله عنه ترك رحمته وعفوه، فلا تثبت [4] له حسنة ولا يمحو عنه سيِّئةً؛ قاله عيَّاض [5] .
[1] في الأصل (التسعة) .
[2] راجع «إِكمَالُ المُعْلِمِ» (7/ 66) .
[3] راجع «إِكمَالُ المُعْلِمِ» (7/ 66) .
[4] في (خ 1) (يكتب) .
[5] راجع «إِكمَالُ المُعْلِمِ» (7/ 67) .