63 -قوله (المَقْبُرِيُّ) في الأصل صفةٌ لأبيه؛ لأنَّه كان مجاورًا لمقبرة بمدينة الشَّارع عليه السَّلام، أو لأنَّ منزله كان عند المقابر، أو لأنَّ عمر جعله على حفر القبور وهو مثلَّث الباء والكسر غريب، وقيل غير ذلك.
قوله (بَيْنَمَا وَبَيْنَا) أصله (بين) ، فاتَّصلت به ما المزيدة، تقدَّم أوَّله.
قوله (نَحْنُ) مبتدأٌ، و (جُلُوسٌ) خبره.
قوله (مُتَّكِئٌ) مهموزٌ.
قوله (ظَهْرَانِيْهِمْ) بفتح الظَّاء والنُّون وزيادة الألف والنُّون بعد التَّثنية إنَّما هي للتَّأكيد، كما يُرادُ في النِّسبة، نحو نفسانيٌّ في النِّسبة إلى النَّفْسِ [1] .
قوله (ابْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ) بفتح النُّون؛ لأنَّه منادى مضاف، وفي بعضها (يا ابن) فذكر محلَّه النِّداء؛ قاله الكرمانيُّ، وضبطه الزَّركشيُّ بفتح الهمزة؛ لأنَّه منادى بالهمزة.
فائدة إنَّما لم يُخاطبه بالنُّبوَّة ولا بالرِّسالة يُحتمَل أنَّه لم يؤمن بعد، أو أنَّه باق على جفاء الجاهليَّة، لكنَّه لم يُنْكر عليه ولا ردَّ عليه، أو لعلَّه كان قبل النَّهي عن خاطبته بذلك، أو لم يبلغه النَّهي [2] .
قوله (قَدْ أَجَبْتُكَ) أجبتُ بمعنى سمعتُ، أو المراد منه إنشاء الإجابة، وقال بعضهم جعل السُّكوت عند قول أصحابه إجابة منه عمَّا سأله، أو كره ما دعاه حيث لم ينسبه إلى ما شرَّفه الله تعالى من النُّبوَّة والرِّسالة [3] .
قوله (اللَّهُمَّ نَعَمْ) كأنَّه استشهد بالله في ذلك تأكيدًا لصدقه، وَوَصَفَ الصَّلاةَ بالخمس؛ لأنَّها للجنس، فيحتمل التَّعدُّد.
قوله (فُقَرَائِنَا) ذكرهم باعتبار أنَّهم أغلب من سائر الأصناف، أو لأنَّه في مقابلة ذكر الأغنياء [4] .
فائدة ليس في هذا الحديث دليلٌ على طهارةِ أبوال الإبل، نعم، لو بال ولم يأمره بغسله؛ لكان دالًّا.
واستنبط ابن بطَّال منه جواز إدخال البعير المسجد وعقله [5] ، وليس صريحًا فيه، نعم، في رواية ابن إسحاق أنَّه أناخ بعيره على باب المَسْجد وعقله [6] ، ثمَّ شَرَعَ يَسْتنبط منه طهارة روثه؛ معلِّلًا بأنَّه لا يُؤمَن ذلك من البعير مدَّة إقامته، وقد علمتُ أنَّ ذلك كان خارج المسجد، فلا دلالة فيه [7] .
قال ابن الملقِّن وهنا في «البخاريِّ» إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثمَّ عقله، وقد جعل ابن الملقِّن في «شرحه» فأناخه في المسجد نسخة.
فائدة ليس فيه جواز الاتكاء مطلقًا، بل لسيِّد القوم فقط.
قوله (رَوَاهُ مُوْسَى) قال الوالد رحمه الله تعالى التَّبُوذَكيُّ، انتهى [8] ، وكذا قال الكرمانيُّ.
فائدة لم يسأل عن الحجِّ؛ لأنَّه كان مَعْلومًا عندهم من شريعة إبراهيم عليه السَّلام؛ قاله الزَّركشيُّ، وقال الكرمانيُّ إمَّا لأنَّه قبل فَرْضه، أو لأنَّه لم يكن من أهل الاستطاعة.
وقال السَّخوميُّ [9] ولم يذكر الحجَّ؛ لاحتمال أنَّه لم يكن واجبًا في ذلك الوقت، انتهى [10] .
وقد اختُلِف في وقت قدومه، فقيل في سنة تسع أو سبع أو خَمْسٍ [11] ، واختُلِف متى فُرِضَ الحجُّ فحكى الرُّويانيُّ وجزم الرَّافعيُّ في الحجِّ بأنَّه في سنة خمس [12] ، وجزم الماورديُّ وصحَّح الغزاليُّ بأنَّه في سنة ستٍّ [13] ، وقيل في سنة ثمانٍ؛ قاله الماورديُّ.
وحكى القاضي عيَّاض بأنَّه في سنة تسعٍ [14] .
وقد روى مسلمٌ ذكر الحجِّ وما نقلناه عن السَّخوميِّ؛ قاله ابن التِّين، وهو عرفة، وكأنَّ الحامل له على ذلك، ما جزم به الواقديُّ ومحمَّد بن حبيب أنَّ قدوم ضمَّام كان في خمسٍ فيكون قبل فرض الحجِّ؛ لكنَّه غلطٌ من أوجه أحدها أنَّ في رواية «مسلم» أنَّ قدومه كان بعد نزول النَّهي في القرآن عن سؤال الرَّسول، وأنَّ النَّهي في (المائدة) ، ونزولها متأخِّرٌ جدًّا.
الثَّاني أنَّ إرسال الرُّسل إلى الدُّعاء إلى الإسلام إنَّما كان ابتداءه بعد الحديبية، ومعظمه بعد فتح مكَّة.
ثالثها أنَّ في القصَّة أنَّ قومه أوفدوه، وإنَّما كان معظم الوفود بعد فتح مكَّة.
رابعًا إنَّ في حديث ابن عبَّاس أنَّ قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم يدخل بنو سعدٍ، وهو ابن بكر بن هوازن في الإسلام إلَّا بعد وقعة حنين، وكانت في شوَّال سنة ثمانٍ، فالصَّواب أنَّ قدوم ضمام كان في سنة تسع، وبه جزم ابن إسحاق وأبو عبيدة وغيرهما، وغفل الزَّركشيُّ عن رواية «مسلم» .
خاتمة (مَنْ وَرَائِي) بفتح الميم، وجاز تنوين (الرَّسول) وكسر الميم.
و (مِنْ قَوْمِي) بيانٌ له، وقال ابن الصَّلاح دلالة الصِّحَّة ما ذهب إليه العلماء من أنَّ العوام المقلِّدين مؤمنون، وأنَّه يكتفي منهم بمجرَّد اعتقاد الحقِّ جزمًا من غير شكٍّ وتزلزل، خلافًا للمعتزلة، وذلك أنَّه عليه السَّلام قرَّر ضمَّامًا على ما اعتمد عليه في تعريف رسالته وصدقه، ومجرَّد إخباره إيَّاه بذلك، ولم ينكر عليه، ولا قال يجب عليك معرفة ذلك بالنَّظر إلى معجزاتي والاستدلال بالأدلَّة القطعيَّة.
[1] انظر «الكواكب الدراري» (2/ 15) .
[2] انظر «التوضيح» (3/ 287) .
[3] انظر «التوضيح» (3/ 288) .
[4] انظر «الكواكب الدراري» (2/ 18) .
[5] «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (1/ 144) .
[6] راجع «السيرة النبوية» (2/ 574) .
[7] انظر «التوضيح» (3/ 287) .
[8] «التلقيح» (1/ 40/أ) .
[9] عَلَاءُ الدَّين عليِّ بنِ صَلَاحُ الدَّينِ السخُومِيِّ الحنَفِيِّ (بعد 762 هـ) ، محدِّثٌ فقيه، مِن تصانيفه «منهلُ اليَنَابِيع» شرحُ «مَصَابيحِ السنَّة» للبَغَويُّ (ت 516 هـ) ، راجع «ذيل لب اللباب في تحرير الأنساب» (ص 147) ، «هدية العارفين» (1/ 732) .
[10] انظر «اللامع الصبيح» (1/ 346) ، وقد استدركَ الحافظ ابن حَجر على هذه الأقوال بقوله (تنبيهٌ لم يُذكر الحجَّ في رواية شَرِيكٍ هذه، وقد ذكَره مُسْلِمٌ وغيره، فقال مُوْسَى في روايَتِهِ وأَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ «صَدَقَ» وأخرجَه مُسْلِمٌ أيضًا، وهو في حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وابْنِ عَبَّاسٍ أيضًا) ، راجع «فتح الباري» (1/ 152) .
[11] انظر «المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم» (1/ 77) .
[12] «التلخيص الحبير» (2/ 480) .
[13] راجع «الحاوي» (4/ 24) ، «بحر المذهب» (3/ 349) ، «فتح العزيز بشرح الوجيز» (7/ 31) .
[14] «إِكمَالُ المُعْلِمِ» (1/ 217) ، وانظر لما سبق «التوضيح» (11/ 11) ، «عمدة القاري» (9/ 122) .