وقال ابن رشد الحفيد في البداية [1] : واتفق العلماء بأجمعهم على استحباب السترة بين المصلي والقبلة إذا صلى منفردا كان أو إماما، وذلك لقوله - عليه الصلاة والسلام: «إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل فليصل» [2] .
القول الثاني: وجوب الصلاة إلى السترة، وقد ذهب إلى القول بوجوبها الشوكاني في السيل [3] ، وهو الظاهر من كلام ابن حزم في المحلى [4] .
واستدلوا لذلك بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم، الوارد في عدة الأحاديث، منها:
حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها» . رواه أبو داود وابن ماجه [5] .
وأجاب الأولون عن ذلك بأن الأمر في هذا الحديث ونحوه أمر ندب، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى أحيانا من غير سترة، كحديث ابن عباس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في فضاء ليس بين يديه شيء» رواه أحمد وأبو داود [6] .
(1) ينظر: بداية المجتهد ونهاية المقتصد (1/ 121) .
(2) وهو حديث الباب، تقدم تخريجه قريبا.
(3) ينظر:"السيل الجرار" (1/ 176) .
(4) ينظر: المحلى بالآثار (4/ 8 - 15) .
(5) أخرجه أبو داود في سننه، أبواب السترة، باب ما يؤمر المصلي أن يدرأ عن الممر بين يديه (1/ 186) (698) ، وابن ماجه في سننه، كتاب إقامة الصلاة، والسنة فيها، باب ادرأ ما استطعت (1/ 307) (954) ، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الصلوات، من كان يقول إذا صليت إلى سترة فادن منها (1/ 250) (2875) من غير وجه عن أبي خالد الأحمر، عن ابن عجلان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحدكم فليصل إلى سترة وليدن منها» .
وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين؛ غير أن محمد بن عجلان روى له البخاري تعليقا، ومسلم متابعه.
(6) أخرجه أحمد في مسنده (3/ 431) (1965) ، وابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الصلوات، من رخص في الفضاء أن يصلى بها (1/ 249) (2866) ، وأبو يعلى في مسنده (4/ 469) (2601) ، من طريق أبي معاوية، عن الحجاج، عن الحكم، عن يحيى ابن الجزار، عن ابن عباس:"أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في فضاء ليس بين يديه شيء". وهذا إسناد فيه ضعف؛ الحجاج- وهو ابن أرطاة- مدلس، وقد عنعن، وباقي رجاله ثقات. وله طريق آخر يمكن أن يعتضد به أيضا:
رواه أحمد في مسنده (5/ 151) (3017) عن حماد بن خالد عن ابن أبي ذئب، عن شعبة، عن ابن عباس، قال: مررت أنا والفضل على أتان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم"يصلي بالناس في فضاء من الأرض، فنزلنا ودخلنا معه، فما قال لنا في ذلك شيئا".
وإسناده أيضا ضعيف؛ شعبة- وهو مولى ابن عباس، سيء الحفظ-، وباقي رجال السند ثقات. وفي لفظ الطيالسي:"... فنزلنا ومررنا بين يديه، فما ردنا ولا نهانا"، وفي لفظ الطبراني:"مررت أنا والفضل بن العباس على حمار بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فما نهانا ولا ردنا".