المطلب الثالث: رأي الإمام الكشميري في المسائل المتقدمة [1] :
رأي الكشميري في المسائل الثلاث، هو رأي أبي حنيفة، كما يلي:
فالمسألة الأولى، وهي حكم الترجيع، قد اختار بأنه غير مستحب، وأجاب عن حديث أبي محذورة الذي فيه الترجيع بأنه كان للتعليم، لكونه حديث عهد بالإسلام.
وذكر في سبب عدم الترجيع أن بلالا استمر أمره بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدم الترجيع قبل تعليمه الأذان أبا محذورة وبعده.
وأجيب عنه بأجوبة، منها: أن الحديث ثبت أيضا بلفظ: قلت: يا رسول الله علمني سنة الأذان؟ وفيه:"ثم تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترفع صوتك بها .. الحديث [2] . فجعله من سنة الأذان."
ومنها: أن فيها سوء الظن بأبي محذورة ونسبة الخطأ إليه من غير دليل.
ومنها: أن أبا محذورة كان مقيما بمكة مؤذنا لأهلها إلى أن توفي وكانت وفاته سنة تسع وخمسين، وكل من كان في هذه المدة بمكة من الصحابة ومن التابعين كانوا يسمعون تأذينه بالترجيع وكذلك يسمع كل من يرد في مكة في مواسم الحج فلو كان ترجيع أبي محذورة غير مشروع، وكان من خطئه لأنكروا عليه ولم يقروه على خطئه، ولكن لم يثبت إنكار أحد من الصحابة وغيرهم على أبي
(1) ينظر: العرف الشذي شرح سنن الترمذي (1/ 209) .
(2) أخرجه أبو داود في سننه كتاب الصلاة، باب كيف الأذان (1/ 136) (500) . أحمد في مسنده (24/ 95) (15379) وابن حبان في صحيحه في كتاب الصلاة، باب الأذان، ذكر البيان بأن المؤذن إذا رجع في أذانه يجب أن يخفض صوته بالشهادتين الأوليين، ويرفع صوته فيما قبلهما وفيما بعدهما (4/ 578) (1682) ، والطبراني في الكبير (7/ 174) (6735) من طريق الحارث بن عبيد، عن محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، عن أبيه، عن جده، به.
وهذا إسناد فيه الحارث بن عبيد مختلف فيه، وهو من رجال مسلم، ومحمد بن عبد الملك لم يوثقه غير ابن حبان، وكذا أبوه عبد الملك، لكن روى عنه جمع. وسيأتي تخريجه مفصلا قريبا، والله تعالى أعلم.