فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 414

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ(67)}

ومن ذلك تكرير القصص، كقصّة آدم وموسى ونوح وغيرهم من الأنبياء، قال بعضهم: ذكر الله موسى في مائة وعشرين موضعا من كتابه.

وقال ابن العربيّ في القواصم:

ذكر الله قصّة نوح في خمس وعشرين آية، وقصّة موسى في تسعين آية.

وقد ألّف البدر بن جماعة كتابا سمّاه «المقتنص في فوائد تكرار القصص» وذكر في تكرير القصص فوائد:

منها: أنّ في كلّ موضع زيادة شيء لم يذكر في الذي قبله، أو إبدال كلمة بأخرى لنكتة، وهذه عادة البلغاء.

ومنها: أنّ الرجل كان يسمع القصّة من القرآن، ثم يعود إلى أهله، ثم يهاجر بعده آخرون يحكون ما نزل بعد صدور من تقدمهم فلولا تكرار القصص لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصّة عيسى إلى قوم آخرين وكذا سائر القصص فأراد الله اشتراك الجميع فيها، فيكون فيه إفادة لقوم وزيادة تأكيد لآخرين.

ومنها: أنّ في إبراز الكلام الواحد في فنون كثيرة وأساليب مختلفة ما لا يخفى من الفصاحة.

ومنها: أنّ الدواعي لا تتوفّر على نقلها كتوفّرها على نقل الأحكام فلهذا كرّرت القصص دون الأحكام.

ومنها: أنّه تعالى أنزل هذا القرآن، وعجز القوم عن الإتيان بمثله، بأيّ نظم جاءوا، ثمّ أوضح الأمر في عجزهم بأن كرّر ذكر القصة في مواضع، إعلاما بأنهم عاجزون عن الإتيان بمثله، أي: بأيّ نظم جاءوا، وبأيّ عبارة عبّروا.

ومنها: أنّه لما تحدّاهم قال: {فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ} [البقرة: 23] فلو ذكرت القصة في موضع واحد واكتفي بها، لقال العربيّ: ائتونا أنتم بسورة من مثله، فأنزلها الله سبحانه وتعالى في تعداد السّور، دفعا لحجّتهم من كلّ وجه.

ومنها: أنّ القصّة لما كرّرت كان في ألفاظها في كلّ موضع زيادة ونقصان وتقديم وتأخير، وأتت على أسلوب غير أسلوب الأخرى، فأفاد ذلك ظهور الأمر العجيب في إخراج المعنى الواحد في صور متباينة في النّظم، وجذب النفوس إلى سماعها، لما جبلت عليه من حب التنقّل في الأشياء المتجدّدة واستلذاذها بها، وإظهار خاصة القرآن، حيث لم يحصل مع تكرير ذلك فيه هجنة في اللّفظ، ولا ملل عند سماعه فباين ذلك كلام المخلوقين.

وقد سئل: ما الحكمة في عدم تكرير قصة يوسف وسوقها مساقا واحدا في موضع واحد، دون غيرها من القصص؟ وأجيب بوجوه:

أحدها: أنّ فيها تشبيب النسوة به، وحال امرأة ونسوة افتتنوا بأبدع الناس جمالا، فناسب عدم تكرارها لما فيه من الإغضاء والسّتر، وقد صحّح الحاكم في مستدركه حديث النهي عن تعليم النساء سورة يوسف.

ثانيا: أنها اختصّت بحصول الفرج بعد الشدّة، بخلاف غيرها من القصص، فإنّ مآلها إلى الوبال كقصة إبليس، وقوم نوح وهود وصالح وغيرهم، فلما اختصّت بذلك اتفقت الدواعي على نقلها، لخروجها عن سمت القصص.

ثالثها: قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني: إنّما كرّر الله قصص الأنبياء، وساق قصة يوسف مساقا واحدا، إشارة إلى عجز العرب كأن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لهم: إن كان من تلقاء نفسي، فافعلوا في قصة يوسف ما فعلت في سائر القصص.

قلت: وظهر لي جواب رابع، وهو أنّ سورة يوسف نزلت بسبب طلب الصحابة أن

يقصّ عليهم، كما رواه الحاكم في مستدركه، فنزلت مبسوطة تامّة، ليحصل لهم مقصود القصص: من استيعاب القصّة، وترويح النفس بها، والإحاطة بطرفيها.

وجواب خامس: وهو أقوى ما يجاب به، أنّ قصص الأنبياء إنما كرّرت لأنّ المقصود بها إفادة إهلاك من كذبوا رسلهم، والحاجة داعية إلى ذلك لتكرير تكذيب الكفار لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكلما كذبوا أنزلت قصّة منذرة بحلول العذاب، كما حلّ على المكذبين، ولهذا قال تعالى في آيات: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38] ، {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} [الأنعام: 6] ، وقصّة يوسف لم يقصد منها ذلك.

وبهذا أيضا يحصل الجواب عن حكمة عدم تكرير قصة أصحاب الكهف، وقصة ذي القرنين، وقصّة موسى مع الخضر، وقصّة الذّبيح.

فإن قلت: قد تكررت قصة ولادة يحيى وولادة عيسى مرتين، وليست من قبيل ما ذكرت.

قلت: الأولى: في سورة {كهيعص (1) } ، وهي مكية، أنزلت خطابا لأهل مكة.

والثانية: في سورة آل عمران، وهي مدنية، أنزلت خطابا لليهود والنصارى نجران حين قدموا، ولهذا اتصل بها ذكر المحاجّة والمباهلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت