النوع الثالث: ما يسمى بالاحتباك: وهو من ألطف الأنواع وأبدعها، وقلّ من تنبه له أو نبّه عليه من أهل فنّ البلاغة، ولم أره في شرح بديعية الأعمى لرفيقه الأندلسيّ. وذكره الزركشي في «البرهان» ولم يسمّه هذا الاسم، بل سمّاه الحذف المقابليّ.
وأفرده بالتصنيف من أهل العصر العلامة برهان الدين البقاعيّ، قال الأندلسيّ في «شرح البديعيّة» : من أنواع البديع: الاحتباك، وهو نوع عزيز، وهو أن يحذف من الأوّل ما أثبت نظيره في الثاني، ومن الثاني ما أثبت نظيره في الأوّل، كقوله تعالى: {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ} الآية، التقدير: ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي ينعق به، فحذف من الأول الأنبياء لدلالة {الَّذِي يَنْعِقُ} عليه، ومن الثاني الذي ينعق به لدلالة {الَّذِينَ كَفَرُوا} عليه.
وقوله: {وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ} [النمل: 12] التقدير: تدخل غير بيضاء، وأخرجها تخرج بيضاء، فحذف من الأول (غير بيضاء) ومن الثاني (وأخرجها) .
وقال الزركشيّ: هو أن يجتمع في الكلام متقابلان، فيحذف من كلّ واحد منهما مقابله لدلالة الآخر عليه، كقوله تعالى: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) } [هود: 35] التقدير: إن افتريته فعليّ إجرامي وأنتم برآء منه، وعليكم إجرامكم وأنا بريء ممّا تجرمون.
وقوله: {وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} [الأحزاب: 24] التقدير: ويعذّب المنافقين إن شاء فلا يتوب عليهم، أو يتوب عليهم فلا يعذبهم.
وقوله: {وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ} [البقرة: 222] أي: حتى يطهرن
من الدم ويتطهّرن بالماء، فإذا طهرن وتطهرن فأتوهنّ.
وقوله: {خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً} [التوبة: 102] أي: عملا صالحا بسيئ، وآخر سيئا بصالح.
قلت: ومن لطيفه قوله: {فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كَافِرَةٌ} [آل عمران: 13] أي: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وأخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت.
وفي «الغرائب» للكرمانيّ: في الآية الأولى التقدير: مثل الذين كفروا يا محمد كمثل الناعق مع الغنم: فحذف من كلّ طرف ما يدلّ عليه الطرف الآخر، وله في القرآن نظائر، وهو أبلغ ما يكون من الكلام. انتهى.
ومأخذ هذه التسمية من الحبك، الذي معناه: الشدّ والإحكام وتحسين أثر الصنعة في الثوب، فحبك الثوب سدّ ما بين خيوطه من الفرج وشدّه وإحكامه بحيث يمنع عنه الخلل مع الحسن والرّونق.
وبيان أخذه منه: من أنّ مواضع الحذف من الكلام شبّهت بالفرج بين الخيوط، فلمّا أدركها الناقد البصير بصوغه الماهر في نظمه وحوكه، فوضع المحذوف مواضعه. كان حابكا له مانعا من خلل يطرقه، فسدّ بتقديره ما يحصل به الخلل، مع ما أكسبه من الحسن والرونق.