{وَقُضِيَ الْأَمْرُ} والأصل: (وهلك من قضى الله هلاكه، ونجا من قضى الله نجاته) .
وعدل عن ذلك إلى لفظ الإرداف لما فيه من الإيجاز، والتنبيه على أن هلاك الهالك ونجاة الناجي كان بأمر آمر مطاع، وقضاء من لا يردّ قضاؤه، والأمر يستلزم آمرا، فقضاؤه يدلّ على قدرة الآمر به وقهره، وأن الخوف من عقابه ورجاء ثوابه يحضّان على طاعة الآمر ولا يحصل ذلك كله من اللفظ الخاصّ.
وكذا قوله: {وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ} حقيقة ذلك: (جلست) ، فعدل عن اللفظ الخاصّ بالمعنى إلى مرادفه، لما في الاستواء من الإشعار بجلوس متمكّن لا زيغ فيه ولا ميل، وهذا لا يحصل من لفظ (الجلوس) .
(فائدة)
وقوله: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} الآية، أمر فيها ونهى، وأخبر ونادى، ونعت وسمّى، وأهلك وأبقى، وأسعد وأشقى، وقصّ من الأنباء ما لو شرح ما اندرج في هذه الجملة من بديع اللفظ والبلاغة والإيجاز والبيان لجفّت الأقلام.
وقد أفردت بلاغة هذه الآية بالتأليف.
وفي «العجائب» للكرماني: أجمع المعاندون على أن طوق البشر قاصر عن الإتيان بمثل هذه الآية، بعد أن فتشوا جميع كلام العرب والعجم، فلم يجدوا مثلها في فخامة ألفاظها، وحسن نظمها، وجودة معانيها في تصوير الحال مع الإيجاز من غير إخلال.
(لطيفة)
قوله: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} إلى قوله: {وَقِيلَ بُعْداً} فيه اعتراض بثلاث جمل، وهي: {وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ}
قال في «الأقصى القريب» :
ونكتته إفادة أن هذا الأمر واقع بين القولين لا محالة، ولو أتى به آخرا لكان الظاهر تأخّره، فبتوسّطه ظهر كونه غير متأخّر. ثم فيه اعتراض، فإنّ {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} معترض بين {وَغِيضَ} و {وَاسْتَوَتْ} لأنّ الاستواء يحصل عقب الغيض.
(فائدة)
حسن النسق: هو أن يأتي المتكلّم بكلمات متتاليات معطوفات، متلاحمات تلاحما سليما مستحسنا، بحيث إذا أفردت كلّ جملة منه قامت بنفسها، واستقلّ معناها بلفظها، ومنه قوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ} الآية.
فإنّ جمله معطوف بعضها على بعض بواو النّسق على الترتيب الذي تقتضيه البلاغة: من الابتداء بالأهم الذي هو انحسار الماء عن الأرض، المتوقف عليه غاية مطلوب أهل السفينة من الإطلاق من سجنها، ثم انقطاع مادّة السماء المتوقّف عليه تمام ذلك من دفع أذاه بعد الخروج، ومنه اختلاف ما كان بالأرض، ثم الإخبار بذهاب الماء بعد انقطاع المادّتين الذي هو متأخر عنه قطعا، ثم بقضاء الأمرح الذي هو هلاك من قدّر هلاكه، ونجاة من سبق نجاته، وأخّر عمّا قبله لأنّ علم ذلك لأهل السفينة بعد خروجهم منها، وخروجهم موقوف على ما تقدّم، ثم أخبر باستواء السفينة واستقرارها المفيد ذهاب الخوف وحصول الأمن من الاضطراب، ثم ختم بالدعاء على الظالمين، لإفادة أنّ الغرق وإن عمّ الأرض فلم يشمل إلّا من استحقّ العذاب لظلمه.
(فائدة أخرى)
الإبداع: بالباء الموحدة: أن يشتمل الكلام على عدّة ضروب من البديع.
قال ابن أبي الإصبع: ولم أر في الكلام مثل قوله تعالى: {يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي}
فإنّ فيها عشرين ضربا من البديع، وهي سبع عشرة لفظة وذلك:
المناسبة التامة في: {ابْلَعِي} و {أَقْلِعِي} والاستعارة فيهما.
والطباق بين الأرض والسماء.
والمجاز في قوله تعالى: {وَيَا سَمَاءُ} فإنّ الحقيقة: يا مطر السماء.
والإشارة في: {وَغِيضَ الْمَاءُ} ، فإنّه عبّر به عن معان كثيرة لأنّ الماء لا يغيض حتى يقلع مطر السماء وتبلع الأرض ما يخرج منهما من عيون الماء، فينقص الحاصل على وجه الأرض من الماء.
والإرداف في {وَاسْتَوَتْ} .
والتمثيل في: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} .
والتعليل، فإنّ (غيض الماء) علّة الاستواء.
والتمثيل في: {وَقُضِيَ الْأَمْرُ} .
والتعليل، فإنّ (غيض الماء) علّة الاستواء.
وصحة التقسيم، فإنّه استوعب فيه أقسام الماء حالة نقصه، إذ ليس إلّا احتباس ماء السماء، والماء النابع من الأرض، وغيض الماء الذي على ظهرها.
والاحتراس في الدعاء، لئلا يتوهّم أنّ الغرق لعمومه شمل من لا يستحق الهلاك، فإنّ عدله تعالى يمنع أن يدعو على غير مستحقّ.
وحسن النسق وائتلاف اللفظ مع المعنى.
والإيجاز فإنه تعالى قصّ القصة مستوعبة بأخصر عبارة.
والتسهيم لأنّ أول الآية يدل على آخرها.
والتهذيب لأنّ مفرداتها موصوفة بصفات الحسن، كلّ لفظة سهلة مخارج الحروف، عليها رونق الفصاحة مع الخلوّ من البشاعة وعقادة التركيب.
وحسن البيان من جهة أنّ السامع لا يتوقف في فهم معنى الكلام، ولا يشكل عليه شيء منه.
والتمكين لأنّ الفاصلة مستقرصة في محلّها، مطمئنة في مكانها، غير قلقة ولا مستدعاة.
والانسجام.
هذا ما ذكره ابن أبي الإصبع.
قلت: فيها أيضا الاعتراض.