فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 414

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا(82)}

فائدة: قال الكرمانيّ عند قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً}

الاختلاف على وجهين: اختلاف تناقض: وهو ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر، وهذا هو الممتنع على القرآن.

واختلاف تلازم: وهو ما يوافق الجانبين، كاختلاف مقادير السور والآيات، واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي، والوعد والوعيد.

(فائدة)

سئل الغزاليّ عن معنى قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً} .

فأجاب: الاختلاف لفظ مشترك بين معان، وليس المراد نفي اختلاف الناس فيه بل نفي الاختلاف عن ذات القرآن، يقال: هذا كلام مختلف، أي: لا يشبه أوله آخره في الفصاحة، أو هو مختلف الدعوى: أي بعضه يدعو إلى الدين، وبعضه يدعو إلى الدنيا.

وهو مختلف النظم، فبعضه على وزن الشعر، وبعضه منزحف، وبعضه على أسلوب مخصوص في الجزالة، وبعضه على أسلوب يخالفه.

وكلام الله منزّه عن هذه الاختلافات، فإنه على منهاج واحد في النظم مناسب أوّله آخره، وعلى درجة واحدة في غاية الفصاحة، فليس يشتمل على الغث والسمين، ومسوق لمعنى واحد، وهو دعوة الخلق إلى الله تعالى وصرفهم عن الدّنيا إلى الدين.

وكلام الآدميين تتطرّق إليه هذه الاختلافات، إذ كلام الشعراء والمترسّلين إذا قيس عليه وجد فيه اختلاف في منهاج النظم، ثم اختلاف في درجات الفصاحة، بل في أصل الفصاحة حتى يشتمل على الغثّ والسّمين، فلا تتساوى رسالتان ولا قصيدتان، بل تشتمل قصيدة على أبيات فصيحة وأبيات سخيفة، وكذلك تشتمل القصائد والأشعار على أغراض مختلفة لأن الشعراء والفصحاء في كلّ واد يهيمون، فتارة يمدحون الدنيا، وتارة يذمونها، وتارة يمدحون الجبن ويسمونه حزما، وتارة يذمونه ويسمّونه ضعفا، وتارة يمدحون الشجاعة ويسمّونها صرامة، وتارة يذمّونها ويسمّونها تهوّرا، ولا ينفك كلام آدميّ عن هذه الاختلافات لأنّ منشأها اختلاف الأغراض والأحوال، والإنسان تختلف أحواله: فتساعده الفصاحة عند انبساط الطبع وفرحه، وتتعذّر عليه عند الانقباض، وكذلك تختلف أغراضه، فيميل إلى الشيء مرّة، ويميل عنه أخرى، فيوجب ذلك اختلافا في كلامه بالضرورة، فلا يصادف إنسان يتكلم في ثلاث وعشرين سنة وهي مدّة نزول القرآن فيتكلّم على غرض واحد ومنهاج واحد، ولقد كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بشرا تختلف أحواله، فلو كان هذا كلامه أو كلام غيره من البشر لوجدوا فيه اختلافا كثيرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت