فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 414

{وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)}

قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} أي: والشهادة، لأنّ الإيمان بكلّ منهما واجب، وآثر الغيب لأنّه أمدح، ولأنه يستلزم الإيمان بالشهادة، من غير عكس.

(فائدة)

قال الزمخشري في: {وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ} في تقديم (الآخرة) وبناء (يوقنون) على (هم) تعريض بأهل الكتاب وما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة، على خلاف حقيقته، وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأنّ اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.

وهذا الذي قاله الزمخشريّ في غاية الحسن، وقد اعترض عليه بعضهم فقال: تقديم (الآخرة) أفاد أنّ إيقانهم مقصور على أنه إيقان بالآخرة لا بغيرها. وهذا الاعتراض من قائله مبنيّ على ما فهمه من أنّ تقديم المعمول يفيد الحصر، وليس كذلك، ثم قال المعترض: وتقديم (هم) أفاد أنّ هذا القصر مختصّ بهم، فيكون إيقان غيرهم بالآخرة إيمانا بغيرها حيث قالوا: {لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ} [البقرة: 80] وهذا منه أيضا استمرار على ما في ذهنه من الحصر، أي: أنّ المسلمين لا يوقنون إلّا بالآخرة، وأهل الكتاب يوقنون بها وبغيرها.

وهذا فهم عجيب ألجأه إليه فهمه الحصر، وهو ممنوع. وعلى تقدير تسليمه فالحصر على ثلاثة أقسام.

أحدها: ب (ما) و (إلّا) : كقولك: (ما قام إلّا زيد) صريح في نفي القيام عن غير زيد، ويقتضي إثبات القيام لزيد، قيل: بالمنطوق، وقيل بالمفهوم، وهو الصحيح. لكنّه أقوى المفاهيم لأنّ (إلّا) موضوعة للاستثناء، وهو الإخراج، فدلالتها على الإخراج بالمنطوق لا بالمفهوم، ولكنّ الإخراج من عدم القيام ليس هو عين القيام، بل قد يستلزمه، فلذلك رجّحنا أنه بالمفهوم والتبس على بعض الناس لذلك فقال: إنّه بالمنطوق.

والثاني: الحصر ب (إنّما) . وهو قريب من الأوّل فيما نحن فيه، وإن كان جانب الإثبات فيه أظهر، فكأنه يفيد إثبات قيام زيد، إذا قلت: إنّما قام زيد، بالمنطوق، ونفيه عن غيره بالمفهوم.

الثالث: الحصر الذي قد يفيده التقديم وليس هو على تقدير تسليمه مثل الحصرين الأوّلين، بل هو في قوّة جملتين: إحداهما ما صدّر به الحكم نفيا كان أو إثباتا وهو المنطوق، والأخرى ما فهم من التقديم، والحصر يقتضي نفي المنطوق فقط، دون ما دلّ عليه من المفهوم، لأنّ المفهوم لا مفهوم له. فإذا قلت: أنا لا أكرم إلّا إيّاك، أفاد التّعريض بأن غيرك يكرم غيره، ولا يلزم أنك لا تكرمه. وقد قال تعالى: {الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً} [النور: 3] أفاد أنّ العفيف قد ينكح غير الزانية، وهو ساكت عن نكاحه الزانية، فقال سبحانه وتعالى بعده: {وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ} [النور: 3] بيانا لما سكت عنه في الأولى. فلو قال: (بالآخرة يوقنون) أفاد بمنطوقه إيقانهم بها، ومفهومه عند من يزعم أنهم لا يوقنون بغيرها. وليس ذلك مقصودا بالذّات، والمقصود بالذات قوة إيقانهم بالآخرة حتى صار غيرها عندهم كالمدحوض، فهو حصر مجازيّ، وهو دون قولنا: (يوقنون بالآخرة لا بغيرها) . فاضبط هذا، وإيّاك أن تجعل تقديره: (لا يوقنون إلّا بالآخرة) .

إذا عرفت هذا: فتقديم (هم) أفاد أنّ غيرهم ليس كذلك فلو جعلنا التقدير: (لا يوقنون إلّا بالآخرة) كان المقصود المهمّ: النفي، فيتسلّط المفهوم عليه، فيكون المعنى إفادة: أنّ غيرهم يوقن بغيرها، كما زعم المعترض، ويطرح إفهام أنه لا يوقن بالآخرة، ولا شكّ أنّ هذا ليس بمراد، بل المراد إفهام أنّ غيرهم لا يوقن بالآخرة فلذلك حافظنا على أنّ الغرض الأعظم إثبات الإيقان بالآخرة، ليتسلّط المفهوم عليه، وأنّ المفهوم لا يتسلّط على الحصر لأنّ الحصر لم يدلّ عليه بجملة واحدة مثل (ما) و (إلّا) ومثل (إنما) وإنما دلّ عليه بمفهوم مستفاد من منطوق، وليس أحدهما متقيّدا بالآخر حتى نقول: إنّ المفهوم أفاد نفي الإيقان المحصور، بل أفاد نفي الإيقان مطلقا عن غيرهم. وهذا كلّه على تقدير تسليم الحصر، ونحن نمنع ذلك، ونقول: إنّه اختصاص، وإنّ بينهما فرقا. انتهى كلام السبكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت