فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 414

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(179)}

{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} فإنّ معناه كثير ولفظه قليل، لأنّ معناه: أنّ الإنسان إذا علم أنه متى قتل قتل كان ذلك داعيا إلى ألّا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، وكان ارتفاع القتل حياة لهم. وقد فضّلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى، وهو قولهم: (القتل أنفى للقتل) بعشرين وجها أو أكثر، وقد أشار ابن الأثير إلى إنكار هذا التفضيل وقال: لا تشبيه بين كلام الخالق وكلام المخلوق، وإنما العلماء يقدحون أذهانهم فيما يظهر لهم من ذلك.

الأول: أنّ ما يناظره من كلامهم، وهو قوله: (القصاص حياة) ، أقلّ حروفا، فإنّ حروفه عشرة، وحروف: (القتل أنفى للقتل) أربعة عشر.

الثاني: أنّ نفي القتل لا يستلزم الحياة، والآية ناصّة على ثبوتها التي هي الغرض المطلوب منه.

الثالث: أنّ تنكير (حياة) يفيد تعظيما، فيدلّ على أنّ في القصاص حياة متطاولة، كقوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَيَاةٍ} [البقرة: 96] ولا كذلك المثل، فإنّ اللام فيه للجنس ولذا فسّروا الحياة فيها بالبقاء.

الرابع: أن الآية فيه مطّردة، بخلاف المثل فإنه ليس كلّ قتل أنفى للقتل، بل قد يكون أدعى له، وهو القتل ظلما، وإنما ينفيه قتل خاصّ وهو القصاص، ففيه حياة أبدا.

الخامس: أنّ الآية خالية من تكرار لفظ: (القتل) الواقع في المثل، والخالي من التكرار أفضل من المشتمل عليه، وإن لم يكن مخلا بالفصاحة.

السادس: أنّ الآية مستغنية عن تقدير محذوف، بخلاف قولهم فإنّ فيه حذف (من) التي بعد أفعل التفضيل وما بعدها. وحذف (قصاصا) مع القتل الأوّل، (وظلما) مع القتل الثاني، والتقدير: القتل قصاصا أنفى للقتل ظلما من تركه.

السابع: أنّ في الآية طباقا، لأنّ القصاص مشعر بضد الحياة، بخلاف المثل.

الثامن: أنّ الآية اشتملت على فنّ بديع، وهو جعل أحد الضّدّين الذي هو الفناء والموت محلا ومكانا لضدّه، الذي هو الحياة، واستقرار الحياة في الموت مبالغة عظيمة، ذكره في الكشّاف، وعبر عنه صاحب الإيضاح: بأنّه جعل القصاص كالمنبع للحياة والمعدن لها بإدخال (في) عليه.

التاسع: أنّ في المثل توالي أسباب كثيرة خفيفة، وهو السكون بعد الحركة، وذلك مستكره، فإنّ اللفظ المنطوق به إذا توالت حركاته تمكّن اللسان من النطق به، وظهرت فصاحته. بخلاف ما إذا تعقب كلّ حركة سكون، فالحركات تنقطع بالسكنات. نظيره: إذا تحرّكت الدابة أدنى حركة فحبست، ثم تحركت فحبست لا تطيق إطلاقها، ولا تتمكّن من حركتها على ما تختاره، فهي كالمقيّدة.

العاشر: أنّ المثل كالمتناقض من حيث الظاهر لأنّ الشيء لا ينفي نفسه.

الحادي عشر: سلامة الآية من تكرير قلقلة القاف، الموجب للضغط والشدة، وبعدها عن غنة النون.

الثاني عشر: اشتمالها على حروف متلائمة، لما فيها من الخروج من القاف إلى الصّاد إذ القاف من حروف الاستعلاء، والصاد من حروف الاستعلاء والإطباق، بخلاف الخروج من القاف إلى التاء هي حرف منخفض فهو غير ملائم للقاف، وكذا الخروج من الصّاد إلى الحاء، أحسن من الخروج من اللام إلى الهمزة، لبعد ما دون طرف اللسان وأقصى الحلق.

الثالث عشر: في النطق بالصّاد والحاء والتاء حسن الصّوت، ولا كذلك تكرير القاف والتاء.

الرابع عشر: سلامتها من لفظ القتل المشعر بالوحشة، بخلاف لفظ (الحياة) فإنّ الطباع أقبل له من لفظ القتل.

الخامس عشر: أنّ لفظ القصاص مشعر بالمساواة، فهو منبئ عن العدل، بخلاف مطلق القتل.

السادس عشر: الآية مبنية على الإثبات، والمثل على النفي، والإثبات أشرف لأنّه أوّل، والنفي ثان عنه.

السابع عشر: أنّ المثل لا يكاد يفهم إلّا بعد فهم أنّ القصاص هو الحياة، وقوله:

{فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} مفهوم من أوّل وهلة.

الثامن عشر: أنّ في المثل بناء (أفعل) التفضيل من فعل متعدّ، والآية سالمة منه.

التاسع عشر: أنّ (أفعل) في الغالب يقتضي الاشتراك، فيكون ترك القصاص نافيا للقتل، ولكن القصاص أكثر نفيا، وليس الأمر كذلك. والآية سالمة من ذلك.

العشرون: أنّ الآية رادعة عن القتل والجرح معا لشمول القصاص لهما، والحياة أيضا في قصاص الأعضاء لأنّ قطع العضو ينقص مصلحة الحياة، وقد يسري إلى النفس فيزيلها، ولا كذلك المثل.

في أوّل الآية {وَلَكُمْ} وفيها لطيفة، وهي بيان العناية بالمؤمنين على الخصوص، وأنهم المراد حياتهم لا غيرهم، لتخصيصهم بالمعنى مع وجوده فيمن سواهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت