الإيهام: ويدعى التورية: أن يذكر لفظ له معنيان إمّا بالاشتراك، أو التواطؤ، أو الحقيقة والمجاز أحدهما قريب والآخر بعيد، ويقصد البعيد، ويورى عنه بالقريب، فيتوهّمه السامع من أول وهلة.
قال الزمخشري: لا ترى بابا في البيان أدقّ ولا ألطف من التورية، ولا أنفع ولا أعون على تعاطي تأويل المتشابهات في كلام الله ورسوله.
ومن ذلك قوله بعد ذكر أهل الكتاب من اليهود والنصارى حيث قال: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} [البقرة: 145] ولما كان الخطاب لموسى من الجانب الغربيّ وتوجّهت إليه اليهود، وتوجهت النصارى إلى المشرق، كانت قبلة الإسلام وسطا بين القبلتين، قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً} أي: خيارا، وظاهر اللفظ يوهم التوسّط، مع ما يعضده من توسّط قبلة المسلمين، صدق على لفظة (وسط) هاهنا أن يسمّي تعالى به لاحتمالها المعنيين. ولمّا كان المراد أبعدها وهو الخيار، صلحت أن تكون من أمثلة التورية.
قلت: وهي مرشحة بلازم المورّى عنه، وهو قوله: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} فإنّه من لوازم كونهم خيارا، أي: عدولا، و (الإتيان) قبلها من قسم المجرّدة.