ومما استشكل أيضا: قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً} [الأنعام: 21] ، {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ} [الزمر: 32] ، مع قوله: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ} [الكهف: 57] ، {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ} [البقرة: 114] ، إلى غير ذلك من الآيات.
ووجهه: أن المراد بالاستفهام هنا النفي، والمعنى: لا أحد أظلم، فيكون خبرا، وإذا كان خبرا وأخذت الآيات على ظواهرها أدّى إلى التناقض. وأجيب بأوجه:
منها: تخصيص كلّ موضع بمعنى صلته: أي لا أحد من المعاندين أظلم ممّن منع ساجد الله، ولا أحد من المفترين أظلم ممّن افترى على الله كذبا، وإذا تخصّص بالصّلات زال التناقض.
ومنها: أن التخصيص بالنسبة إلى السّبق: لمّا لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بأنهم أظلم ممّن جاء بعدهم سالكا طريقهم وهذا يؤول معناه إلى ما قبله لأن المراد السبق إلى المانعيّة والافترائية.
ومنها وادّعى أبو حيان أنّه الصواب: أن نفي الأظلميّة لا يستدعي نفي الظالمية لأن نفي المقيّد لا يدلّ على نفي المطلق، وإذا لم يدلّ على نفي الظالمية لم يلزم التناقض لأن فيها إثبات التسوية في الأظلميّة، وإذا ثبتت التسوية فيها لم يكن أحد ممّن وصف بذلك يزيد على الآخر: لأنّهم يتساوون في الأظلميّة. وصار المعنى: لا أحد أظلم ممّن افترى وممّن منع ونحوها، ولا إشكال في تساوي هؤلاء في الأظلمية، ولا يدلّ على أنّ أحد هؤلاء أظلم من الآخر، كما إذا قلت: لا أحد أفقه منهم. انتهى.
وحاصل الجواب أنّ نفي التفضيل لا يلزم منه نفي المساواة.
وقال بعض المتأخّرين: هذا استفهام مقصود به التهويل والتفظيع، من غير قصد إثبات الأظلمية للمذكور حقيقة، ولا نفيها عن غيره.
(تنبيه)
قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني: إذا تعارضت الآي وتعذّر فيها الترتيب والجمع، طلب التاريخ وترك المتقدم بالمتأخّر، ويكون ذلك نسخا. وإن لم يعلم، وكان الإجماع على العمل بإحدى الآيتين، علم بإجماعهم أنّ الناسخ ما أجمعوا على العمل بها.
قال: ولا يوجد في القرآن آيتان متعارضتان تخلوان عن هذين الوصفين.
قال غيره: وتعارض القراءتين بمنزلة تعارض الآيتين، نحو: {وَأَرْجُلَكُمْ} [المائدة: 6] . بالنصب والجرّ، ولهذا جمع بينهما: بحمل النّصب على الغسل، والجرّ على مسح الخفّ.
وقال الصيرفي: جماع الاختلاف والتناقض: أنّ كلّ كلام صحّ أن يضاف بعض ما وقع الاسم عليه إلى وجه من الوجوه فليس فيه تناقض، وإنما التناقض في اللفظ ما ضادّه في كلّ جهة، ولا يوجد في الكتاب والسنة شيء من ذلك أبدا وإنما يوجد فيه النسخ في وقتين.
وقال القاضي أبو بكر: لا يجوز تعارض آي القرآن والآثار وما يوجبه العقل، فلذلك لم يجعل قوله: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [الزمر: 62] . معارضا لقوله: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً} [العنكبوت: 17] . {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ} [المائدة: 110] . لقيام الدليل العقلي أنّه لا خالق غير الله، فتعيّن تأويل ما عارضه، فيؤوّل (وتخلقون) على (تكذبون) و (تخلق) على (تصور) .
فائدة: قال الكرمانيّ عند قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافاً كَثِيراً} [النساء: 82] : الاختلاف على وجهين: اختلاف تناقض: وهو ما يدعو فيه أحد الشيئين إلى خلاف الآخر، وهذا هو الممتنع على القرآن.
واختلاف تلازم: وهو ما يوافق الجانبين، كاختلاف مقادير السور والآيات، واختلاف الأحكام من الناسخ والمنسوخ، والأمر والنهي، والوعد والوعيد.