فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 414

(فصل)

قال ابن التين في حديث البخاريّ: «لأعلّمنك سورة هي أعظم السور» معناه: أنّ ثوابها أعظم من غيرها.

وقال غيره: إنما كانت أعظم السّور لأنها جمعت جميع مقاصد القرآن، ولذلك سمّيت: أم القرآن.

وقال الحسن البصريّ: إنّ الله أودع علوم الكتب السابقة في القرآن، ثم أودع علوم القرآن الفاتحة، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير جميع الكتب المنزّلة. أخرجه البيهقيّ.

وبيان اشتمالها على علوم القرآن قرره الزمخشري، باشتمالها: على الثناء على الله تعالى بما هو أهله، وعلى التعبّد بالأمر والنهي، وعلى الوعد والوعيد وآيات القرآن لا تخلو عن أحد هذه الأمور.

وقال الإمام فخر الدين: المقصود من القرآن كلّه تقرير أمور أربعة: الإلهيات، والمعاد، والنبوّات، وإثبات القضاء والقدر لله تعالى. فقوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) } يدلّ على الإلهيات، وقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } ، يدلّ على المعاد، وقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } يدلّ على نفي الجبر، وعلى إثبات أنّ الكلّ بقضاء الله وقدره، وقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } إلى آخر السورة يدل على إثبات قضاء الله، وعلى النبوّات. فلمّا كان المقصد الأعظم من القرآن هذه المطالب الأربعة، وهذه السورة مشتملة عليها، سمّيت: أم القرآن.

وقال البيضاوي: هي مشتملة على الحكم النظرية والأحكام العملية، التي هي سلوك الطريق المستقيم، والاطلاع على مراتب السعداء، ومنازل الأشقياء.

وقال الطّيبيّ: هي مشتملة على أربعة أنواع من العلوم التي هي مناط الدين:

أحدها: علم الأصول، ومعاقدة معرفة الله تعالى وصفاته، وإليها الإشارة بقوله:

{الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) } . ومعرفة النبوة، وهي المرادة بقوله:

{أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} . ومعرفة المعاد، وهو المومى إليه بقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } .

وثانيها: علم الفروع، وأسّه العبادات، وهو المراد بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ} .

وثالثها: علم ما يحصل به الكمال وهو علم الأخلاق، وأجلّه الوصول إلى الحضرة الصمدانية، والالتجاء إلى جناب الفردانية والسلوك لطريقه، والاستقامة فيها. وإليه الإشارة بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) } .

ورابعها: علم القصص والأخبار عن الأمم السالفة، والقرون الخالية، السعداء منهم والأشقياء، وما يتّصل بها من وعد محسنهم ووعيد مسيئهم. وهو المراد بقوله: {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} .

وقال الغزاليّ: مقاصد القرآن ستة: ثلاثة مهمّة، وثلاثة متمّة:

الأولى: تعريف المدعو إليه: كما أشير إليه بصدرها، وتعريف الصراط المستقيم، وقد صرّح به فيها، وتعريف الحال عند الرّجوع إليه تعالى وهو الآخرة، كما أشير إليه ب {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (4) } .

والأخرى: تعريف أحوال المطيعين: كما أشير إليه بقوله {الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ}

وحكاية أقوال الجاحدين، وقد أشير إليها ب {الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} ، وتعريف

منازل الطريق، كما أشير إليه بقوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (5) } . انتهى.

ولا ينافي هذا وصفها في الحديث الآخر بكونها: «ثلثي القرآن» لأنّ بعضهم وجّهه بأنّ دلالات القرآن الكريم: إما أن تكون بالمطابقة أو بالتضمّن أو بالالتزام، وهذه السورة تدلّ على جميع مقاصد القرآن بالتضمّن والالتزام دون المطابقة، والاثنان من الثلاثة ثلثان، ذكره الزركشيّ في شرح «التنبيه» وناصر الدين بن الميلق.

قال: وأيضا الحقوق ثلاثة: حقّ الله على عباده، وحقّ العباد على الله، وحقّ بعض العباد على بعض. وقد اشتملت الفاتحة صريحا على الحقّين الأولين، فناسب كونها بصريحها ثلثين، وحديث: «قسمت الصّلاة بيني وبين عبدي نصفين» شاهد لذلك.

قلت: ولا تنافي أيضا بين كون الفاتحة أعظم السّور، وبين الحديث الآخر: «أنّ البقرة أعظم السور» لأنّ المراد به ما عدا الفاتحة من السّور التي فصّلت فيها الأحكام وضربت الأمثال، وأقيمت الحجج إذ لم تشتمل سورة على ما اشتملت عليه، ولذلك سمّيت «فسطاط القرآن» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت