فإنَّ الله - عزَّ وجَل - أنزلَ على نبيِّه محمَدٍ - صلى الله عليه وسلم - كتابَهُ العزيزَ باللِّسانِ العربيِّ المُبين، وجعلَ إليه بيانَ جميعِ ذلك، فقالَ جلَّ جَلالهُ: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل: 44] ، فلا نعلمُ أنَّ خِطابًا عامًّا في كتابِ الله - جَلَّ جلالهُ - يُرادُ به العُمومُ، أو يرادُ به الخُصوصُ، أو يرادُ به ظاهرُه دونَ باطنِه، أو باطنُه دونَ ظاهرِه إلَّا من بيانِه - صلى الله عليه وسلم - ، وقد وصفَهُ - اللهُ جَلَّ جَلالُه - بأنه يَهْدي إلى صِراطٍ مستقيمِ، فقالَ: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ} [الشورى: 52 - 53] ، وأوجب على الكافَّةِ من خَلْقِهِ طاعَتهُ، وجعلَ طاعتَه سبحانَه في طاعَتِه - صلى الله عليه وسلم - ، فقالَ تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80] فبيَّنَ عنِ اللهِ - جَلَّ
جَلالُهُ - كما ذكره، وهدى إلى صِراطٍ مستقيمٍ كما وصف.
فلا تجدُ في القرآن فرضًا ولا حكمًا إلَّا وقد بينه - صلى الله عليه وسلم - ، فإنْ كان نصًّا، بيَّنَهُ كما نصَّه الله تعالى له، فإن كانَ أحكمَ اللهُ فرضَهُ، وجعل إليهِ بيانَه، فقد بينه، وبيَّن صفتَه، وكيفيته، وبين لنا سننًا وآدابًا تُكَمِّلُهُ، كفرض الصلاةٍ، والزكاةِ، والحجِّ، والنكّاحِ، والعدَّةِ، والرَّضاعِ. وبَيَّنَ عنِ الله تعالى فرضهُ ونَدْبَهُ وإرشادَهُ، وبيّنَ ناسخَ الكتابِ من منسوخِه، وغير ذلك.