وإن انفردَ بإرسالِ حديثٍ لم يشاركْهُ فيه غيرُه، قُبِل ما ينفردُ به، ويُعْتبَرُ عليه بأن يُنْظَرَ هلْ يوافِقُه مرسَلُ غيره ممَّن قُبِلَ عنهُ العلمُ في غيرِ رجالِه الذين قُبِلَ عنهم، فانْ وُجِدَ ذلك، كانتْ دلالةً تقوِّي مُرْسَلَهُ، وهي أضعفُ منَ الأُولى.
وإن لم يُوجَدْ ذلكَ، نُظِر إلى بعضِ ما رُوِيَ عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قولًا لَهُ، فإن وُجِدَ موافقاً ما رُوِيَ عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، كانتْ في هذهِ دلالةٌ على أنَّه لم يأخذْ مُرْسَلَه إلَّا من أَصْلٍ يَصِحُّ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وكذلكَ إن وُجِدَ عَوامٌ من أهلِ العِلْمِ يُفتون بمثلِ معنى ما رُوي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، ثم يعتبرُ عليهِ بأنْ يكونَ إذا سَقَى مَنْ روى عنهُ، لم يكنْ مجهولاً، ولا مَدْفوعاً من الروايةِ عنه، فَلْيُستدلَّ بذلك على صِحَّة ما رواهُ، أو يكونَ إذا شاركَ أحدًا من الحفَّاظ في حديثٍ لم يخالِفْهُ، وإنْ خالفهُ،
وُجِدَ حديثُه أنقصَ، ففي هذهِ دلائلُ على صِحَّةِ مخرجِ حديثهِ.
ومتى خالفَ ما وَصَفْتُ، أضرَّ بحديثه حتَّى لا يسع أحداً قَبولُ مُرْسَلِهِ.
ثم قالَ بعدَ كلامٍ: فأمَّا مَنْ بعدَ كِبارِ التَّابعينَ الذين كَثُرَتْ مشاهدتُهم لبعضِ أصحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، فلا أعلمُ منهمْ واحدًا يُقْبَلُ مُرْسَلُهُ لأمورٍ:
أحدُها: أنَّه أشدُّ تجوُّزاً فيما يروون عنه.
والآخَرُ: أنَّه يُؤخَذُ عليهم الدلائلُ فيما أرسلوه بضَعْفِ مخرجهِ بكثرةِ الإحالةِ في الأخبارِ، وإذا كَثُرَتِ الإحالةُ، كانَ أمكنَ للوَهْم وضعفِ مَنْ يُقبلُ عنهُ.
ثم قال أيضاً بعد كلامٍ آخَرَ: ومن نَظَر في العلم بِخِبرَةٍ وقلةِ غفلةٍ، استوحشَ من مُرْسَلِ كلِّ مَنْ دونَ كبار التَّابعينَ بدلائِلَ ظاهرةٍ فيها، فإن قالَ قائِلٌ: فَلِمَ فَرَّقْتَ بينِ التَّابعينَ المتقدِّمينَ الذين شاهدوا أصحابَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وبينَ مَنْ شاهدَ بعضهَم دون بعض؟ قلتُ له: لِبعدِ إحالَةِ مَنْ لم يشاهدْ أكثرَهُم.