ولجاز أن يقولَ: إنّما رجمَ النَّبِيُّ - صَلَّى الله عليه وسلم - الزانيَ الثَّيِّبَ قبلَ نزولِ آيةِ الجَلْدِ، وإنَّما مَسَحَ على الخُفِّ قبلَ نزولِ آيةِ الوُضوءِ، وغيرَ ذلكَ من
الآياتِ، وإلا فَبيِّنوا الدليلَ على أنَّ السُّنَّةَ بعدَ ذلك.
ولأجلَ هذا قالَ أبو عبد الله الشافعيُّ - رضيَ اللهُ عنهُ - هذهِ المقالَةَ.
السادس والسابع: نسخُ الإجماع بالقرآنِ، ونسخُ الإجماعِ بالسُّنَّةِ: مستحيلٌ وغيرُ جائزٍ اتّفاقاً.
الفصل الخامس في الطَّريق إلى معرفة الناسخ والمنسوخ
ويعلمُ ذلكَ في كتابِ اللهِ - جَلَّ جلالُهُ - من وجُوهٍ:
أحدها: الإجماعُ على خِلافِ النَّصِّ؛ لقيامِ الدليلِ القاطعِ على عِصْمَةِ الأُمَّة.
الثَّاني: يُعْلَم بصريحِ النُّطق؛ كقوله تعالى: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا} [الأنفال: 66] .
الثالث: يُعْلَمُ ببيانِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ؛ كقوله تَعالى في الزَّواني: فَأَمْسِكُوهُنَّ
فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا [النساء: 15] فقال النَّبي - صَلَّى الله عليه وسلم -:"خُذُوا عَنِّي، خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُنَّ سَبيلاً"، الحديث، عندَ مَنْ جَعل آيةَ الإمساك مَنْسوخَةً بالحُدودِ، وسيأتيَ بيانُ ذلكَ وتحقيقُهُ عندَ الكَلامِ على الأَحْكام - إن شاءَ اللهُ تعالى - .
الرابعُ: يُعْلَمُ بتأخُّرِ أحدِ اللَّفْظَينِ عنِ الآخَرِ، فالآيةُ المَدَنِيَّةُ تنسَخُ المَكِّيَّةَ، وهو كثيرٌ في القرآنِ، والمدنيةُ المتأخّرَةُ تنسخُ المدنيةَ المتقدِّمَةَ، وهو أكثر منسوخِ القرآن، والمكية المتأخرة تنسخ المكية المتقدمة، وقلَّ أنْ يوجَدَ هذا النوعُ ظاهِراً مُتَّفقاً عليهِ عندَ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ نُزولَ ذلك قبلَ تشريعِ الأَحْكامِ.
ويجبُ على طالبِ علمِ القرآنِ أن يعلمَ المَكِّيَّ من المدني.
وقد مَيَّزَ أهلُ العلمِ ذلكَ، وبيَّنوه بَياناً خاصًّا، وذكروا لهُ أيضاً علاماتٍ ودَلائِلَ.
قالوا: كُلُّ سورَة فيها: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} وليس فيها: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} ، فهي مكية، وفي"الحَجِّ"اخْتلافٌ.
وكلُّ سورة فيها: {كلا} فهي مكية؛ لأنه ردٌّ ورَدْع.