ولَمَّا طبعَ اللهُ الحكيمُ على قلوبِ قومٍ بقدرتهِ ولطيفِ حكمتهِ، أَذْهَبَ أَنْوارَها، وأعمى أبصارَها عَنْ جَلِيِّ قدرتهِ وبديع حكمتهِ وعظيمِ علمهِ، فاعتقدَ قومٌ أنَّ النسخَ بَداءٌ؛ لِتَقَلُّبهِ وتنَقُّلِهِ، وأَطْلقَوا ذلكَ على اللهِ تعالى، وإنْ كانوا أرادوا بالبَداءِ هو أن يَظْهَرَ لهُ ما كانَ خَفِيًّا عليهِ؛ كما هُوَ حَقيقَةً في اللّسانِ، فذلكَ كُفْرٌ، تَعالَى اللهُ عَمَّا يَقولونَ عُلُوًّا كَبيراً، وإنْ كانوا أَرادوا تأويلاً آخَرَ، فهوَ ضَلالٌ مُبينٌ، نَسْألُ اللهَ الكَريمَ السَّلامَةَ مِنَ الزَّيغِ والضَّلالِ، والهدايةَ إلى الصِّراطِ المُستقيمِ بفَضْلِه ورَحْمَتِه.
ودَخَلَتِ الشُّبْهَةُ على قومٍ آخَرينَ، فاعتقدوا أنَّ القرآنَ مَخْلوقٌ، فنسألُ اللهَ الكريمَ الهدايةَ إلى الصِّراطِ المُستقيمِ بفضلِه ورحمتِه، إنهُ ذو الفَضْل العظيمِ.
الفصل الثَّاني في أقسام النسخ والناسخ والمنسوخ
أمَّا النَّسْخُ فإنَّه على ضَرْبَينِ:
أحدُهما: أن تنُسخ الآيةُ وتُرفَعَ، ولا يُعْرَفَ لها ناسِخٌ منَ الكِتابِ، وذلكَ لا يُعْرَفُ إلَّا من طَريقِ الأخبارِ؛ كما رُوِيَ أنَّه كانتْ سورةُ الأحزابِ تعدلُ سورةَ (البقرةِ) ، وأنهُ نزلَتْ سورةٌ نَحْوٌ من (براءة) ، ثم رُفِعَ ذلكَ، ونُسِخَ حِفْظُهُ منَ الصدورِ، وهذا النسخُ يدخُلُ الأحكامَ والأخبارَ والقَصَصَ والصِّفاتِ والأسماءَ، فللهِ سبحانَه أن ينسخَ ذلكَ كُلَّهُ بإزالَةِ حِفْظِه، ويفعلَ ما يشاءُ.
الثَّاني: أن تُنْسَخَ الآيةُ، ويُعْرَفَ ناسِخُها.
* وأمَّا الناسخ: فعلى ضَرْبين:
أحدُهما: أن ينسخَ حُكْماً إلى حُكْمٍ؛ كنسخِ العَفْوِ والصَّفْحِ عن المشركينَ إلى وجوبِ قِتالهم، وكنسخِ المُصابَرَةِ من العَشَرَةِ إلى الاثنينِ.
والثاني: أنْ يَنْسَخَ حُكْمًا إلى غيرِ حُكْمٍ؛ تَخْفيفاً ورِفْقاً بالعباد، وذلكَ كنسخِ قِيامِ الليلِ.
* وأمَّا المنسوخُ: فعلى أربعةِ أقسامٍ:
الأول: ما نُسِخَ حكمُه وبقيَ رسمُه؛ كآية العِدَّةِ حَولاً كامِلاً، وآيةِ الصَّفْحِ والإعراضِ، وآيةِ المُصابَرَة للعَشَرَةِ إلى الاثنينِ؛ خلافًا لشذوذٍ منَ النَّاس، وهذا أكثرُ المنسوخِ.
والثاني: ما نُسخَ رسمُه، فلا يُتلى على أنَّه قرآنٌ، لكنْ بقيَ حُكْمُه