ولَمَّا كانَ لخادِمِ الزوجةِ نفقةٌ، جُعِلَتْ نفقةُ الخادِمِ على المُعْسِرِ مُدًّا؛ كنفقةِ الزوجةِ نَفْسِها؛ لأَنَّ ذلكَ أَقَلُّ الكِفاية، ولا بدَّ منهُ، ولم يُقَدَّرْ في الشرعِ مِقدارٌ أَقَلُّ منهُ، ولم يُلْتَفَتْ إلى كَمالِ الزَّوْجَةِ ونُقْصانِ الخادِمِ في حال الضِّيقِ؛ اعتِباراً بتسويةِ الله - تعالى - بينَ الأبِ الذي له ثُلُثا المالِ، وبينَ الأُمِّ التي لَها ثُلُثُ المالِ، في حالِ الضِّيقِ حينَ تساويا في السُّدُسِ.
وإنْ كانَ الزوجُ مُوسِراً، احْتِيجَ إلى الزِّيادَةِ كما احْتيجَ إلى ذلك في نفقةِ الزوجة، ولم يُمْكِنِ التَّسْوِيَةُ بينَهما في الزيادةِ؛ لكمال الزوجةِ، ونُقصانِ الخادِم، فاعتبر ذلك بدور التَّفْضيلِ من أَصْحابِ الكمالِ وغيرِهم إذا اجْتَمعوا، فوُجِدَ للابْنِ الثُّلُثانِ، وللبنْتِ الثُّلُثُ إذا اجتمعا؛ لكمال الابن، ونقصانِ البنتِ، وكذلك وُجد الأبُ والأمُّ، للأبِ الثُّلُثان، وللأُمِّ الثُّلُثُ إذا
اجْتَمَعا، فَفُضِّلَ الأَبُ والابْنُ بِثُلُثَيِ الميراثِ لِكمالِهِمْ، فَكَذلكَ فُضِّلَتِ الزوجةُ على الخادِمِ.
ومن هذا النوع تقديرُ الشافعيِّ - رحمهُ اللهُ تعالى - في حَلْقِ الشَّعْرَةِ الواحِدَةِ مُدًّا، وفي الشَّعرتين مُدَّيْنِ، وفي الثَّلاثِ فصاعِداً دَمٌ، كأنَّه رَأى أنَّ الثَّلاثَ جماعُ الشَّعْرِ، فهو حدُّ الكَثْرَةِ، ففيها ما في أَكْثَرِ الكَثيرِ، ورأَى أن الشعرةَ الواحدةَ لا يُمْكِنُ إبْطالُ حُكْمِها؛ إذْ إتلافُها في الإحرامِ محظورٌ كإتلافِ الشَّعرِ الكثيرِ، ولا يمكنُ تسويتُها بالكثير، فاحْتيجَ إلى ما يُفرِّقُ بينَ القليلِ والكثيرِ، فرَجَعَ في القليلِ إلى أقلِّ ما وُجِدَ مُقَدَّراً، وذلك مُدٌّ، وعلى هذا تَرْكُ حَصاةٍ ومبيتِ ليلة من ليالي منى ورمي الجمار.
4 -ومثالُ ما لم يوجَدْ له أصلٌ في التقدير يُرَدُّ إليه، وأُخِذَ بيانهُ من الأمرِ الذي قُصِدَ لهُ: قولُ اللهِ - تبارَكَ وتَعالى - {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3] .