وليس معنى هذه القاعدة، أنّ ما عليه الناس من الأعراف والعادات، هو فِي حدّ ذاته، شرعٌ يجب أن يُتّبع، حاشا، وكلاّ، وإلاّ لكان هذا من الإشراك بالله فِي حكمه لكنّ معناها ما ذكره العلماء: أنّ كلّ ما ورد به الشرع مطلقا، ولا ضابط له فيه، ولا فِي اللغة، فقد أمر الشرع فيه بالرجوع إلى العرف.
والدليل قوله تعالى: (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) [البقرة: 233]
وقوله تعالى (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ) [المائدة: 89] . وذلك إنما يُعرف، بعادات الناس، ويختلف باختلافها بينهم.
وحديث {خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف} رواه البخاري.
قال العيني (وهو عادة الناس وهذا يدل على أن العرف عمل جارٍ، وقال ابن بطال: العرف عند الفقهاء أمر معمول به) شرح العيني 12/ 16 - 17.
ولهذا فإنّ العرف - على سبيل المثال - هو الذي يحدّد إحياء الموات كيف يكون، أيْ: إحياء الأرض الميتّة التي يملكها صاحبها، بأيّ شيء يحصل؟ فما يحصل به إحياء أرض فِي جزيرة العرب - مثلا - يختلف عما يحصل به فِي سيبريا مثلا، أو فِي جبال الهملايا، وكذلك هو يحدّد حرز السرقة، فيختلف اعتباره، باعتبار العرف، فحرز السيارة - مثلا - يختلف عن حرز متاع البيت، وكذا إباحة الأكل من بيت الصديق، يحدّد العرف مقدار المباح منه، وكذا حسن العشرة بين الزوجين تحدّده عادات الناس، وكذا ما يُعدّ قبضا، فقبض الطائرة المبيعة، أو السفينة، مثلا، يختلف عن قبض الثياب، فالعرف يحدد ما يسمّى قبضا يترتب عليه أحكام القبض، وكذا انتفاع المستأجر بما جرت به العادة، يختلف باختلاف العرف.
ومن ذلك أيضا اعتبار العرف فِي معرفة المسافة التي تكون سفرا، فتباح رخص السفر فيها، فعند بعض العلماء، منهم شيخ الإسلام ابن تيمية، الضابط فِي ذلك ما تعارف الناس على أنه سفر، سواء قصرت المسافة أم طالت.