كتابأ يتخير منه فيستجاد بعضه ، ويصفح عن بعضه ، إنما هو طريق مستبصر: من أين أخذت فيه نفذت ، ومن حيث تأديت به تهديت ، وهو فِي كل معنى مما قدمناه سننه القائم ، ومثاله الدائم .
ولقد صدفنا عن كثير مما اعترضنا وكان لا بد من انبساط القول فيه واتساع المادة به ، مما لو تقضيناه لطال وبلغ بالقارئ مبلغ الملال ، وعلى أنّا لو ذهبنا نستقصي فِي استخراج كل معنى على حدوده وجهاته ، ونستحمل النفس حاجة الشرح والتمثيل ، والموازنة والتعليل ، ونوسع هذا الباب
اعتباراً ونظراً لخرجنا منه إلى ما يستنفذ العمر كله ، وإن كنا لا نهاوِن بالنفس ولا نرفق بها فِي العمل ؛ ولصرنا من بعد ذلك إلى فصل تعجز عنده المؤونة ، ويقصر مقدار العقل دونه ، فإنما هو كتاب الله أحكمت آياته ثم فصلت من لدنه على حكمته وعلمِه ، فإن نفذ من أسراره فِي النظم
والنسق ، بقي ما وراء ذلك مما هو علة النظم والنسق ؛ وإن استطعنا القول فِي كيفية إجماله ، لم نستوعبه فِي كيفية تفصيله ، إنا طريقنا فِي كل ذلك دنو المأخذ ، وقرع الحجة ، وقليل من كثير ،
وجهدنا فيه أن نلزم جانب الأصل اللغوي فِي الإعجاز حتى لا ندع أحداً على لبس من هذا الأمر ، الذي هو علة ما وراءه وله ما بعده ؛ وغايتنا منه أن نكشف عن أسرار المعجزة التاريخية التي بقيت
إلى اليوم معضلة فِي تاريخ الأرض ؛ وهي تأليف العرب على تعاديهم وتنافرهم ، والزحف بهم على قتلهم وضعف وسائلهم ، وتوثبهم على فقرهم وغنى سواهم حتى اكتسحوا دولة الفرس ،
والتحفوا على مملكة الروم ، وهما يومئذ الدنيا القديمة وهما العينان فِي رأس التاريخ ، وقد توافقت
جيوشهما والتحمت فِي مواطن القتال ، وسعَّروا الأرض ناراً وحرباً مدة ثلاثة قرون أو حول ذلك ؛
حتى استحكمت لهم صيغ الحروب ، واستجمعوا فيها الرأي من جهاته ، وكانت لهم الدربة على قيادة الجيوش ، وكانوا أهل الرياسة والنباهة فِي كل ما وصفناه .