قال: ما أنتم بقائلين من هذا شيئاً إلا وأنا أعرف أنه لا يصدق ، وإن أقرب القول إنه ساحر ، وإنه سحر يُفرق به بين المرء وابنه والمرء وأخيه ، والمرء وزوجته ، والمرء وعشيرته .
فتفرقوا وجلسوا على السُّبل يحذرون الناس . اهـ .
فتأمل كيف وصف تأثير القرآن فِي النفس العربية ، حتى ينتزع
الرجل من أهله وعشيرته وخاصِّ أهله وعشيرته انتزاعاً كأنه مسلوب العقل ، فلا يتمكث ولا يلوي على شيء ، وإذن ذلك الكلام كله لو أريد إجماله لم تسعه غير هاتين الكلمتين: (السياسة المنطقية) .
ولو أنعمت على تأمل هذه الجهة لانكشف لك السبب الذي من أجله لا نرى فِي كل ما يؤثر عن أهل هذه اللغة قولاً معجزاً ، ولو اعترضت كثيراً وكثيراً من الجئد الرائع فِي الكلام ، وقرنتَ بعضَه إلى بعض ، وبلغت من البيان ما أنت بالغ ، لأن كل ذلك ليس من القرآن فِي نسق ولا طريقة ، وإن اتفق له منهما شيء اختلفت عليه منهما أشياء .
بيدَ أنك تقرأ الآيات القليلة من هذا الكتاب الكريم ؛ فتراها فِي هذا النسق وتلك الطريقة بكل ما فِي اللغة ، لأنها متميزة بصفتها ، وبائنة بنسقها ؛
ومتى اعتبرنا الشيء بطريقته التي يغالي به من أجلها ، كان الترجيح عند المعادلة للطريقة نفسها ؛ فلا عجب أن ظهرت طريقة القرآن بالكلمات
القليلة منها على جملة اللغة بما وسعتْ ،
ولا بدَّ أن يكون التحدي من هذه الطريقة بمثل تلك
الكلمات على قلتها ، (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا) .
الخاتمة
وبعد ، فلا بد لنا من التنبيه على أنا فِي كل ما أسلفنا من القول فِي إعجاز القرآن أو الإشارة إلى بعض الوجوه المعجزة فيه ، إنما أجملنا تفصيلاً ، وأتينا بما أتينا به تحصيلاً ، فاكتفينا من ذلك بما يرشد إلى أمثاله ، واقتصرنا من كل وجه على أصل المعنى دون مثاله ؛ فإن القرآن الكريم ليس