المغالطة ، وتنتدِح فيها أشياء من مثل ذلك ؛ فراراً من الإلزام ودفعاً لحجته ، وإن كان المعنى فِي نفسه واضحاً مكشوفاً ، والبرهان طبيعة قائمة معروفاً .
بَيدَ أن طريقة البلاغة إنما يراد بها تحقيق المعنى ، واستبراء غايته ، وامتلاخُ الشبهة منه ، وأخذ الوجوه والمذاهب عن النفس من أجزائه التي يتألف منها ، بعد أن تُستوفى على جهتها فِي الكلام استيفاءً يقابل ما يمكن أن تشعر به النفس من هذه الأجزاء ، حتى لا تصدِفَ عنه ، ولا تجد
لها مذهباً ولا وجهاً غير القصد إليه ؛ فيكون من ذلك الإلزام البياني الذي توحيه طبيعة المعنى البليغ وكان حتمأ مَقضِياً .
وهذا غرض بعيد وعَنتٌ شاق لا تبلغ إليه الوسائل الصناعية مما يتخذ إلى إجادة الكلام وإحكام صنعته البيانية ، وإنما يتفق لأفراد الحكماء ودهاة السياسة ما يتفق منه ، وحياً وإلهاماً ، وإنما يلفونه على جهة التوهم النفسي الذي تتخلق منه خواطر الشعراء ؛ فنحن نعرف علماً وتجربة أن
الشاعر قد يعالج المعنى البكر ، ويريغ الوجه المخترع ، فيكد فِي تمثلِ ذلك حتى يتسلط أثر الكد على فكره ، ويضرب الملل على قلبه ، ويصرفه الضجر ؛ ثم لا يعطيه كل هذا طائلاً ولا يردُ عليه
حقاً من المعنى ولا باطلاً ، وما فرط ولا أضاع ولا قصَّر ولا استخف ، ولا كان فِي عمله إلا من وراء الغاية ، وقد تقع إليه فِي تلك الحال معان كثيرة تفترق وتلتقي ، ولكن ليس فيها المعنى الذي
من أجله نصب وإليه تأتَّى ، فيضرِب عنه بعد المحاولة ، ويقصِر بعد المطاولة حتى إذا استجمَّت خواطره ، واستحدثَ منها غيرَ ما كان فيه ، بلا تكلف ، وهو لم يُعاودهُ ولا قصد إليه ، وقد كان بلغ
منه كلالُ الحد واضطراب الحمق مبلغ الزهَقِ والمعاناة ، وإنما ألهمهُ فِي تلك الحال إلهاماً ، فعاد ما لم يمكن بكل سبب ، ممكناً بغير سبب!
وربما أراد الشاعر معنى من هذه الخواطر النادرة ، فلا يكاد يبتدئ التفكير فيها أو يَهُمُّ