ومن أين معقد المعنى ، فإن ذلك يدفع به لا محالة إلى القطع بانه غير إنساني ، وأن ليس فِي طبع الإنسان أكثر من فهمه وما نشأ على حالي فِي أنها كانت هي طريقة العرب فِي الإحساس بإعجازه ،
إذ ليس إلى الحقيقة غيرها من سبيل ، وهم كانوا أعرفَ بكلامهم وسننه ووجوهه ، وما يمكن أن يتفق فِي الطباع وما لا يتفق .
وما أخطأ هذه الطريقة أحد إلا أخطأ وجه الإعجاز العربي ، وإلا فما بال كثير من بلغاء المتكلمين ، وما بال أهل العربية وفنونها ، وما بال أكثر علماء البلاغة نفسها - لا يهتدون فِي الحكم
عليه إلى أبعد من أنه معجز بقوة الإيمان ... ؛ وما إعجازه إلا فِي قوة تركيبه على ما بسطناه بحيث لا تقرن إليه قوة إنسانية إلا خرج عن طوقها ، وكان جهدها الذي تجهد كأنهه فِي معارضته قوة من ضعف ، أو عفو من جهد القوي ، فكأنها لم تصنع شيئاً فيما صنفت ، وجهدت وكأنها لم تجد .
وليس شيء أقرب فِي الدلالة على ذلك لمن لم ينهض به طبعه ، أو كان لم يتيسر لهذا الأمر بأدواته ولا أقوى بغرضه - من أن يتأمل أمثلته فِي كل باب طبيعي من أبواب البلاغة العالية ،
فإنه سيرى منها الباب كله ويرى ما عداها واقعاً من دون حيث وقع .
(فصل)
إحكام السياسة المنطقية على طريقة البلاغة
وبقي سر من أسرار هذه البلاغة المعجزة نختم به الباب ، وهو شيء لا نراه يتفق إلا فِي من كلام النوابغ المعدودين الذين يكون الواحد منهم تاريخ عصر من عصور أمته ، أو يكون من تاريخها ، وهو إحكام السياسة المنطقية على طريقة البلاغة لا على طريقة المنطق فإن
الفرق بين الطريقتين أن هذه المنطقية منها تأتي على أوضاع وأقيسة معروفة مكررة يسترسل بعضها إلى بعض ، ويراد بها إلزام المخاطب ليتحقق المعنى الذي قام به الخطاب ، إلزاماً بالعقل لا بالشعور ، وبطبيعة السياق لا بطبيعة المعنى ، ومن أجل ذلك تدخلها المكابرة ، وتتسع لها