(وأما الثالث) فلأن الصحابة لم يختلفوا فيما اختلفوا فيه أنه نازل على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم من ربه، أو أن بلاغته غير معجزة، ولكنهم اختلفوا في أنه قرآن، وذلك لا يضر فيما نحن بصدده.
(وأما الرابع) فلأن طلب البينة لما قدمناه في الفائدة السادسة، أو للوضع والترتيب كما قيل، أو لمزيد الاحتياط في الأمر الخطير، (وأما الخامس) فلأن المعجز يظهر في كل زمان من جنس ما يغلب، ويبلغ فيه الغاية القصوى، ويوقف فيه على الحد المعتاد، حتى إذا شوهد ما هو خارج عن الحد علم أنه من عند الله، وإلا لم يتحقق عند القوم معجزة النبي، ولظنوا أنهم لو كانوا من أهل تلك الصنعة أو متناهين فيها لأمكنهم أن يأتوا بمثلها، والبلاغة قد بلغت في ذلك العهد حدها، وكان فيها فخارهم حتى علقت السبع بباب الكعبة تحديا بمعارضتها، فلما أتى الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بما عجزوا عن مثله مع كثرة المنازعة والتشاجر والافتراق علم أن ذلك من عند الله تعالى بلا ريب، واعتراضهم على كون الإخبار بالغيب معجزا مكابرة، فإن الإخبار عن الغائبات مع التكرر والإصابة غير معتاد، ولا معنى لكونه معجزا غير هذا، وما ذكروه من الوجه باطل.
(أما الأول) فلأنه لا يلزم من عدم كون الإصابة في المرة والمرتين من الخوارق أن لا تكون الإصابة في الكرات الكثيرة منها، والضابط العرف، ولا يخفى أن ما ورد من أخبار الغيب في القرآن مما يعد في نظر أهل العرف كثيرا لا تعتاد الإصابة فيه بجملته، (وأما الثاني) فلأن أخبار المنجمين ما كان كاذبا منها لا احتجاج، وما كان صادقا وتكررت الإصابة فيه كالكسوف والخسوف غير وارد، لأنه من الحساب المعتاد لمن يتعاطى صناعة التنجيم، وأخبار القرآن بالغيوب ليست كذلك، وأما أخبار الكهنة فالقول فيها كما في السحر.
(وأما الثالث) فلأن ما في التوراة من الإخبار بالغيب إن كان كثيرا خارقا للعادة ووقع التحدي به فهو أيضا معجز، وآية صدق لمن أتى به، ولا يضرنا التزام ذلك، (وأما الرابع) فلأنه لا يرد على من يقول: وجه الإعجاز مجموع ما تقدم أصلا، ومن يقول: وجهه مجرد الإخبار بالغيب، يقول بأن الخالي من ذلك غير معجز، وإنما الإعجاز في القرآن بجملته، ويكفي ذلك في غرضه، والاعتراض على كون وجه الإعجاز عدم التناقض والاختلاف مع الطول والامتداد بوجهيه مدفوع، (أما الأول) فلأن اشتمال القرآن على الشعر قد سبق جوابه فلا يناقض: وما علمناه الشعر وأما الآيتان الأولتان فقد أجاب عنهما ابن عباس حين سأله رجل عن آيات من هذا القبيل بأن نفي المسألة قبل النفخة الثانية، وإثباتها فيما بعد، والسدي بأن نفي المسألة عند تشاغلهم بالصعق والمحاسبة، والجواز على الصراط، وإثباتها فيما عداها، وابن مسعود بأن المسألة المنفية طلب بعضهم العفو من بعض والمثبتة على ظاهر معناها، فلا منافاة، وأما الآيتان الأخرتان فمعنى الأولى منهما: وما منع الناس أن يؤمنوا إلا إرادة الله أن تأتيهم سنة الأولين من نحو الخسف، أو يأتيهم العذاب قبلا في الآخرة، ولا شك أن إرادة الله تعالى مانعة من وقوع ما ينافي المراد، فهذا حصر في السبب الحقيقي، ومعنى الثانية: وما منع الناس أن يؤمنوا إلا استغراب بعثة البشر رسولا، وهو مدلول القول التزاما، والدال لا يناسب المانعية، والمدلول ليس مانعا حقيقيا بل عادي لجواز وجود الإيمان معه، فهو حصر في المانع العادي، فلا تناقض، وسيأتي لهذا إن شاء الله تعالى زيادة تحقيق.