(الفائدة السابعة) في بيان وجه إعجاز القرآن.
(اعلم) أن إعجاز القرآن مما لا مرية فيه، ولا شبهة تعتريه، وأرى الاستدلال هنا عليه مما لا يحتاج إليه، والشبه صرير باب، أو طنين ذباب، والأهم بالنسبة إلينا بيان وجه الإعجاز، والكلام فيه على سبيل الإيجاز، (فنقول) : قد اختلف الناس في ذلك فذهب بعض المعتزلة إلى أن وجه إعجازه اشتماله على النظم الغريب، والوزن العجيب، والأسلوب المخالف لما استنبطه البلغاء من العرب في مطالعه، وفواصله، ورد بوجهين، (الأول) أنا لا نسلم المخالفة، فإن كثيرا من آياته على وزن أبيات العرب، نحو قوله تعالى: ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وقوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومثله كثير، (الثاني) أنا لو سلمنا المخالفة، لكن لا نسلم أنه لمجردها يكون معجزا، وإلا لكانت حماقات مسيلمة إذ هي على وزنه كذلك، وذهب الجاحظ إلى أنه اشتماله على البلاغة التي تتقاصر عنها سائر ضروب البلاغات، ورد بوجوه، (الأول) أنا إذا نظرنا إلى أبلغ الخطب، وأجزل الشعر، وقطعنا النظر عن الوزن، وقسناه بقصار القرآن كان الأمر في التفاوت ملتبسا، والمعجز لا بد أن ينتهي إلى حد لا يبقى معه لبس، ولا ريبة، (الثاني) إن القرآن غير خارج عن كلام العرب، وما من أحد من بلغائهم إلا وقد كان مقدورا له الإتيان بقليل من مثل ذلك، والقادر على البعض قادر على الكل، (الثالث) أن الصحابة اختلفوا في البعض، ولو كان منتهيا إلى الإعجاز بلاغة لعرفوه، وما اختلفوا، (الرابع) أنهم طلبوا البينة ممن أتى بشيء منه، ولو كانت بلاغته منتهية إلى حد الإعجاز ما طلبوها، (الخامس) أن في كل عصر من تنتهي إليه البلاغة وذلك غير موجب للإعجاز ولا للدلالة على صدق مدعي الرسالة لجواز أن يكون هو من انتهت إليه، وقيل: هو اشتماله على الإخبار بالغيب، ورد أما أولا فبأن الإصابة في المرة والمرتين ليست من الخوارق، والحد الذي يصير به الإخبار خارقا غير مضبوط، فإذا لا يمتنع أن يقال ما اشتمل عليه القرآن لم يصل إليه، وأما ثانيا فبأنه يلزم أن يكون إخبار المنجمين والكهنة عن الأمور المغيبة مع كثرة إصابتها معجزة، وأما ثالثا فبأنه يلزم أن تكون التوراة كذلك لاشتمالها كاشتماله، وأما رابعا فبأنه يلزم أن يكون الخالي عن الإخبار بالغيب من القرآن غير معجز، وقيل: هو كونه مع طوله وامتداده غير متناقض، ولا مختلف، وأبطل بوجهين، الأول أنا لا نسلم عدم التناقض والاختلاف فيه، أما التناقض فقوله تعالى: وما علمناه الشعر وما ينبغي له والبحور كلها فيه، وقال تعالى: فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ثم قال: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون وقال تعالى: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا فحصر المانع في أحد السببين، وقال: وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا فحصر المانع في غيرهما إلى غير ذلك، وأما الاختلاف، فكقوله تعالى: (كالصوف المنفوش) بدل كالعهن المنفوش وقوله تعالى: (ضربت عليهم المسكنة والذلة) بدل قوله: الذلة والمسكنة وقوله تعالى: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) ، وقوله تعالى: (في خلق آدم مرة من تراب ومرة من حمإ ومرة من طين ومرة من صلصال) ، على أن فيه تكرارا لفظيا ومعنويا كما في الرحمن وقصة موسى مثلا، وتعرضا لإيضاح الواضحات كما في قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة وقال عثمان: إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها، (الثاني) أنا لو سلمنا السلامة من جميع ذلك لكنه ليس بإعجاز إذ هو موجود في كثير من الخطب والشعر، ويظهر كليا فيما يكون على مقدار