فهذا يدل على أن الاجتهاد دخل في ترتيب السور، ولهذا ذهب البيهقي إلى أن جميع السور ترتيبها توقيفي إلا براءة والأنفال، وله انشرح صدر الإمام السيوطي لما ضاق ذرعا عن الجواب، والذي ينشرح له صدر هذا الفقير هو ما انشرحت له صدور الجمع الغفير من أن ما بين اللوحين الآن موافق لما في اللوح من القرآن، وحاشا أن يهمل صلى الله تعالى عليه وسلم أمر القرآن، وهو نور نبوته وبرهان شريعته، فلا بد إما من التصريح بمواضع الآي والسور، وإما من الرمز إليهم بذلك، وإجماع الصحابة في المآل على هذا الترتيب، وعدولهم عما كان أولا من بعضهم على غيره من الأساليب، وهم الذين لا تلين قناتهم لباطل، ولا يصدهم عن اتباع الحق لوم لائم، ولا قول قائل، أقوى دليل على أنهم وجدوا ما أفادهم علما، ولم يدع عندهم خيالا ولا وهما، وعثمان رضي الله تعالى عنه وإن لم يقف على ما يفيده القطع في براءة والأنفال وفعل ما فعل بناء على ظنه، إلا أن غيره وقف، وقبل ما فعله، ولم يتوقف، وكم لعمر رضي الله تعالى عنه موافقات لربه أدى إليها ظنه، فليكن لعثمان هذه الموافقة التي ظفر غيره بتحقيقها من النصوص أو الرموز، فسكت على أن ذلك كان قبل ما فعل عثمان عند التحقيق، ولكن لما رفعت الأقلام وجفت الصحف واجتمعت الكلمة في أيامه، واقتدت المسلمون في سائر الآفاق بإمامه، نسب ذلك إليه، وقصر من دونهم عليه، والسؤال منه وجوابه ليسا قطعيين في الدلالة على الاستقلال لجواز أن يكون السؤال للاستخبار عن سر عدم المخالفة، والجواب لإبدائه على ما خطر في البال، وبالجملة بعد إجماع الأمة على هذا المصحف لا ينبغي أن يصاخ إلى آحاد الأخبار، ولا يشرأب إلى تطلع غرائب الآثار، فافهم ذاك، والله سبحانه وتعالى يتولى هداك.