وما يدل بظاهره من الآثار على أنه اجتهادي معارض ساقط عن درجة الاعتبار كالخبر الذي أخرجه ابن أبي داود بسنده، عن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: (أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة فقال: أشهد أني سمعتهما من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ووعيتهما، فقال عمر: وأنا أشهد لقد سمعتهما، ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن فألحقوها في آخرها) ، فإنه معارض بما لا يحصى مما يدل على خلافه، بل لابن أبي داود مخرجه خبر يعارضه أيضا، فقد أخرج أيضا عن أبي أنهم جمعوا القرآن، فلما انتهوا إلى الآية التي في سورة براءة ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون ظنوا أن هذا آخر ما نزل، فقال أبي: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقرأني بعد هذا آيتين: لقد جاءكم رسول إلى آخر السورة.
وأما ترتيب السور ففي كونه اجتهاديا أو توقيفيا خلاف، والجمهور على الثاني، قال أبو بكر الأنباري: أنزل الله تعالى القرآن كله إلى سماء الدنيا ثم فرقه في بضع وعشرين، فكانت السورة تنزل لأمر يحدث، والآية جوابا لمستخبر، فيوقف جبريل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على موضع الآية والسورة، فمن قدم أو أخر فقد أفسد نظم القرآن، وقال الكرماني: ترتيب السور هكذا، هو عند الله تعالى في اللوح المحفوظ، وعليه كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين، وقال الطيبي مثله، وهو المروي عن جمع غفير، إلا أنه يشكل على هذا ما أخرجه أحمد، والترمذي، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، عن ابن عباس قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: (دعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا) ، وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتهما في السبع الطوال.