(أما أولا) فلأن ما ادعاه من التبادر إنما هو لكثرة استعماله في اللفظي لمسيس الحاجة إليه، لا لكونه الموضوع له خاصة بدليل استعماله لغة وعرفا في النفسي، والأصل في الإطلاق الحقيقة، وقوله: والأصل عدم الاشتراك، قلنا: نعم، إن أردت به الاشتراك اللفظي، ونحن لا ندعيه، وإنما ندعي الاشتراك المعنوي، وذلك أن الكلام في اللغة بنقل النحويين ما يتكلم به قليلا كان أو كثيرا حقيقة أو حكما، (وأما ثانيا) فلأن ما ادعاه من أن المؤثر في نفس السامع إنما هو العبارات لا المعاني النفسية، الأمر فيه بالعكس، بدليل أن الإنسان إذا سمع كلاما لا يفهم معناه لا تؤثر ألفاظه في نفسه شيئا، وقد يتذكر الإنسان في حالة سروره كلاما يحزنه، وفي حالة حزنه كلاما يسره، فيتأثر بهما، ولا صوت، ولا حرف هناك، وإنما هي حروف وكلمات مخيلة نفسية، وهو الذي عناه الشيخ بالكلام النفسي، وعلى هذا فالسامع في قولهم: لتأثيره في نفس السامع، ليس بقيد، والتأثير في النفس مطلقا معتبر في وجه التسمية، (وأما ثالثا) فلأن ما قاله في قوله تعالى:"يقولون في أنفسهم"من أنه مجاز دل على المعنى النفسي فيه بقرينة"في أنفسهم"ولو أطلق لما فهم إلا العبارة، يرده قوله تعالى: يقولون بأفواههم وفي آية بألسنتهم ما ليس في قلوبهم إذ لو كان مجرد ذكر"في أنفسهم"قرينة على كون القول مجازا في النفسي لكان ذكر بأفواههم وبألسنتهم قرينة على كونه مجازا في العبارة، واللازم باطل فكذا الملزوم، نعم التقييد دليل على أن القول مشترك معنى بين النفسي واللفظي، وعين به المراد من فرديه فهو لنا لا علينا، (وأما رابعا) فلأن ما ذكره في قوله تعالى:"وأسروا"الآية تحكم بحت لأن السر كما قال الزمخشري: ما حدث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال، ويساعده الكتاب والأثر واللغة، كما لا يخفى على المتتبع، (وأما خامسا) فلأن ما ذكره في بيت الأخطل خطل من وجوه، (أما أولا) فعلى تقدير أن يكون المشهور البيان بدل الكلام يكفينا في البيان لأنه إما اسم مصدر بمعنى ما يبين به، أو مصدر بمعنى التبيين، وعلى الأول هو بمعنى الكلام، ولا فرق بينهما إلا في اللفظ، وعلى الثاني هو مستلزم للكلام النفسي بمعنى المتكلم به، إن كان المراد به التبيين القلبي، أعني ترتيب القلب للكلمات الذهنية على وجه إذا عبر عنها باللسان فهم غيره ما قصده منها، (وأما ثانيا) فلأن قوله - وبتقدير أن يكون إلخ - إقرار بالكلام النفسي من غير شعور.