(وأما الثالث) فجوابه أن المنعوت بأنه واحد بالذات تتعدد تعلقاته هو الكلام بمعنى صفة المتكلم، ووحدته مما لا شك لعاقل فيها، وأما الكلام النفسي بمعنى المتكلم به، فليس عنده واحدا بل نص في الإبانة على انقسامه إلى الخبر والأمر والنهي في الأزل، فلا اعتراض، وقال النجم سليمان الطوفي: إنما كان الكلام حقيقة في العبارة مجازا في مدلولها لوجهين: (أحدهما) أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام إنما هو العبارة، والمبادرة دليل الحقيقة، (الثاني) أن الكلام مشتق من الكلم لتأثيره في نفس السامع، والمؤثر فيها إنما هو العبارات لا المعاني النفسية بالفعل، نعم هي مؤثرة للفائدة بالقوة، والعبارة مؤثرة بالفعل، فكانت أولى بأن تكون حقيقة، والأخرى مجازا، وقال المخالفون: استعمل لغة في النفسي والعبارة، (قلنا) : نعم، لكن بالاشتراك أو بالحقيقة فيما ذكرناه، وبالمجاز فيما ذكرتموه، والأول ممنوع، قالوا: الأصل في الإطلاق الحقيقة، قلنا: والأصل عدم الاشتراك، ثم أن لفظ الكلام أكثر ما يستعمل في العبارات، والكثرة دليل الحقيقة، وأما قوله تعالى:"يقولون في أنفسهم"فمجاز دل على المعنى النفسي بقرينة (في أنفسهم) ، ولو أطلق لما فهم إلا العبارة، وأما قوله تعالى: وأسروا قولكم الآية، فلا حجة فيه، لأن الإسرار خلاف الجهر، وكلاهما عبارة عن أن يكون أرفع صوتا من الآخر، وأما بيت الأخطل، فالمشهور أن البيان، وبتقدير أن يكون الكلام، فهو مجاز عن مادته، وهو التصورات المصححة له، إذ من لم يتصور ما يقول لا يوجد كلاما، ثم هو مبالغة من هذا الشاعر بترجيح الفؤاد على اللسان، انتهى، وفيه ما لا يخفى.