والدليل على أن للنفس كلاما بالمعنيين الكتاب والسنة فمن الآيات قوله تعالى: فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا فإن (قال) بدل من (أسر) ، أو استئناف بياني كأنه قيل: فماذا قال في نفسه في ذلك الإسرار؟ فقيل: قال أنتم شر مكانا، وعلى التقديرين، فالآية دالة على أن للنفس كلاما بالمعنى المصدري، وقولا بالمعنى الحاصل بالمصدر، وذلك من (أسر) والجملة بعدها، وقوله تعالى: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى وفسر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بما أسره ابن آدم في نفسه، وقوله تعالى: واذكر ربك في نفسك وقوله تعالى: يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا أي: يقولون في أنفسهم كما هو الأسرع انسياقا إلى الذهن، والآيات في ذلك كثيرة، ومن الأحاديث ما رواه الطبراني عن أم سلمة أنها سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد سأله رجل فقال: (إني لأحدث نفسي بالشيء لو تكلمت به لأحبطت أجرى، فقال: لا يلقى ذلك الكلام إلا مؤمن) ، فسمى صلى الله تعالى عليه وسلم ذلك الشيء المحدث به كلاما مع أنه كلمات ذهنية، والأصل في الإطلاق الحقيقة، ولا صارف عنها، وقوله تعالى في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) الحديث، وفيه دليل على أن للعبد كلاما نفسيا بالمعنيين، وللرب أيضا كلاما نفسيا كذلك، ولكن أين التراب من رب الأرباب فالمعنى الأول للحق تعالى شأنه صفة أزلية منافية للآفة الباطنية التي هي بمنزلة الخرس في التكلم الإنساني اللفظي، ليس من جنس الحروف والألفاظ أصلا، وهي واحدة بالذات تتعدد تعلقاتها بحسب تعدد المتكلم به، وحاصل الحديث من تعلق تكلمه بذكر اسمي تعلق تكلمي بذكر اسمه، والتعلق من الأمور النسبية التي لا يضر تجددها، وحدوث المتعلق إنما يلزم في التعلق التنجيزي ولا ننكره، وأما التعلق المعنوي التقديري، ومتعلقه فأزليان، ومنه ينكشف وجه صحة نسبة السكوت عن أشياء رحمة غير نسيان، كما في الحديث، إذ معناه أن تكلمه الأزلي لم يتعلق ببيانها مع تحقق اتصافه أزلا بالتكلم النفسي، وعدم هذا التعلق الخاص لا يستدعي انتفاء الكلام الأزلي كما لا يخفى.