(الفائدة الرابعة) في تحقيق معنى أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، (اعلم) أن هذه المسألة من أمهات المسائل الدينية، والمباحث الكلامية، كم زلت فيها أقدام، وضلت عن الحق بها أقوام، وهي وإن كانت مشروحة في كتب المتقدمين، مبسوطة في زبر المتأخرين، لكني بحول من عز حوله، وفضل من غمرنا فضله أوردها في هذا الكتاب، ليتذكر أولو الألباب، بأسلوب عجيب، وتحقيق غريب، لا أظنك شنفت سمعك بمثل لآليه، ولا نورت بصرك بشبه بدر لياليه، فماء ولا كصدى، ومرعى ولا كالسعدان.
وما كل زهر ينبت الروض طيب ولا كل كحل للنواظر أثمد
فأقول: إن الإنسان له كلام بمعنى التكلم الذي هو مصدر، وكلام بمعنى المتكلم به الذي هو الحاصل بالمصدر، ولفظ الكلام موضوع لغة للثاني، قليلا كان أو كثيرا، حقيقة كان أو حكما، وقد يستعمل استعمال المصدر، كما ذكره الرضي، وكل من المعنيين إما لفظي أو نفسي، فالأول من اللفظي فعل الإنسان باللسان، وما يساعده من المخارج، والثاني منه كيفية في الصوت المحسوس، والأول من النفسي فعل قلب الإنسان، ونفسه الذي لم يبرز إلى الجوارح، والثاني كيفية في النفس إذ لا صوت محسوسا عادة فيها، وإنما هو صوت معنوي مخيل، أما الكلام اللفظي بمعنييه فمحل وفاق، وأما النفسي فمعناه الأول تكلم الإنسان بكلمات ذهنية، وألفاظ مخيلة يرتبها في الذهن على وجه إذا تلفظ بها بصوت محسوس كانت عين كلماته اللفظية، ومعناه الثاني هو هذه الكلمات الذهنية، والألفاظ المخيلة المرتبة ترتيبا ذهنيا منطبقا عليه الترتيب الخارجي.