فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 403 من 466147

الإلهية يعرج العبد بالتحقيق بها في الذات شيئا فشيئا، على ما اقتضته الحكمة، وإلى ذلك أشار الحق تعالى بقوله: ورتلناه ترتيلا وهذا الحكم لا ينقطع أبدا إذ لا يزال العبد في ترق، والحق في تجل، فسبحان من لا تقيده الأكوان، وهو كل يوم في شان، وأما القرآن العظيم في قوله تعالى: ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم فهو إشارة إلى الجملة الذاتية لا باعتبار النزول ولا باعتبار المكانة بل مطلق الأحدية الذاتية التي هي في مطلق الهوية الجامعة لجميع المراتب والصفات والشؤون والاعتبارات، ولهذا قرن بالعظيم، وأما السبع المثاني فهو ما ظهر عليه في وجوده من التحقق بالصفات السبع، وأما قوله تعالى: الرحمن علم القرآن فهو إشارة إلى أن العبد إذا تجلى عليه الرحمن وجد لذة رحمانية تكسبه معرفة قرآنية، فلا يعلم الحق إلا من طريق أسمائه وصفاته، وأما الفرقان عندهم فإشارة إلى حقيقة الأسماء والصفات على اختلاف تنوعاتها فباعتباراتها تتميز كل صفة واسم من غيرها، فحصل الفرق في نفس الحق من حيث أسماؤه، وصفاته، فإن اسمه المنعم غير اسمه المنتقم، وصفة الرضا غير صفة الغضب، وإليه الإشارة بقوله: (سبقت رحمتي غضبي) ، وهي متفاوتة المراتب في الفضل نظرا إلى أعيانها، لا باعتبار أن في شيء منها نقصا، أو مفضولية، ولهذا حكمت بعضها على بعض كما يشير إليه قوله صلى الله عليه وسلم: (أعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ برضاك من سخطك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك) ، فكانت المعافاة أفضل من العقوبة، والرضا أفضل من السخط، فأعاذه بالفاضل مما يليه، وكذا أعاذه بذاته من ذاته، فكما أن الفرق حاصل في الأفعال كذلك في الصفات، بل في نفس واحدية الذات التي لا فرق فيها، لكن من غريب شئونها جمعها النقيضين قال أبو سعيد: عرفت الله تعالى بجمعه بين الضدين، ولكونه صلى الله عليه وسلم مظهرا للقرآن، والفرقان، كان خاتم النبيين، وإمام المرسلين، لأنه ما ترك شيئا يحتاج إليه إلا وقد جاء به، فلا يجد الذي يأتي بعده من الكمال شيئا مما ينبغي أن ينبه عليه، قال تعالى: ما فرطنا في الكتاب من شيء وقال تعالى: وكل شيء فصلناه تفصيلا إلى غير ذلك من الآيات.

(وقد يقال) : القرآن والفرقان إشارتان إلى مقام الجمع، والفرق بأقسامهما، قالوا: ولا بد للعبد الكامل منهما، فإن من لا تفرقة له لا عبودية له، ومن لا جمع له لا معرفة له، والجمع عندهم شهود الأشياء بالله تعالى، والتبري من الحول والقوة إلا بالله، وجمع الجمع الاستهلاك بالكلية، والفناء عما سوى الله تعالى، وهو المرتبة الأحدية، والفرق أنواع فرق أول، وهو الاحتجاب بالخلق عن الحق، وبقاء رسوم الخليقة بحالها، وفرق ثان، وهو شهود قيام الخلق بالحق، ورؤية الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة من غير احتجاب إحداهما عن الأخرى، وفرق الوصف وهو ظهور الذات الأحدية بأوصافها في الحضرة الواحدة، وفرق الجمع وهو تكثر الواحد بظهوره في المراتب التي هي ظهور شئون الذات الأحدية وتلك الشؤون في الحقيقة اعتبارات محضة لا تحقق لها إلا عند بروز الواحد بصورها، وكثيرا ما يطلقون القرآن على العلم اللدني الإجمالي الجامع للحقائق كلها، والفرقان على العلم التفصيلي الفارق بين الحق والباطل، وكتاب الله تعالى جامع لذلك كله كما لا يخفى على أهله، وذكر الشيخ الأكبر قدس سره أن القرآن يتضمن الفرقان، والفرقان يتضمن القرآن، لأن تفاصيل المراتب والأسماء المقتضية لها موجودة في الجمع، والجمع لا يوجد في التفاصيل، ولهذا ما اختص بالقرآن إلا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، فليفهم، ونسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا، ويزيل بعلمه جهلنا إنه على ما يشاء قدير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت