(والمعنى الثاني) له تعالى شأنه كلمات غيبية، وهي ألفاظ حكمية مجردة عن المواد مطلقا نسبية كانت أو خيالية أو روحانية، وتلك الكلمات أزلية مترتبة من غير تعاقب في الوضع الغيبي العلمي لا في الزمان، إذ لا زمان، والتعاقب بين الأشياء من توابع كونها زمانية، ويقربه من بعض الوجوه وقوع البصر على سطور الصفحة المشتملة على كلمات مرتبة في الوضع الكتابي دفعة، فهي مع كونها مترتبة لا تعاقب في ظهورها، فجميع معلومات الله الذي هو نور السماوات والأرض مكشوفة له أزلا، كما هي مكشوفة له فيما لا يزال، ثم تلك الكلمات الغيبية المترتبة ترتبا وضعيا أزليا يقدر بينها التعاقب فيما لا يزال، والقرآن كلام الله تعالى المنزل بهذا المعنى، فهو كلمات غيبية مجردة عن المواد، مترتبة في علمه أزلا، غير متعاقبة تحقيقا، بل تقديرا، عند تلاوة الألسنة الكونية الزمانية، ومعنى تنزيلها إظهار صورها في المواد الروحانية والخيالية والحسية من الألفاظ المسموعة والذهنية، والمكتوبة، ومن هنا قال السنيون: القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، وهو مكتوب في المصاحف محفوظ في الصدور، مقروء بالألسن مسموع بالآذان، غير حال في شيء منها، وهو في جميع هذه المراتب قرآن حقيقة شرعية معلوم من الدين بالضرورة، فقولهم: (غير حال) إشارة إلى مرتبته النفسية الأزلية، فإنه من الشؤون الذاتية، ولم تفارق الذات، ولا تفارقها أبدا، ولكن الله تعالى أظهر صورها في الخيال والحس، فصارت كلمات مخيلة، وملفوظة مسموعة ومكتوبة مرئية، فظهر في تلك المظاهر من غير حلول، إذ هو فرع الانفصال، وليس فليس، فالقرآن كلامه تعالى غير مخلوق، وإن تنزل في هذه المراتب الحادثة، ولم يخرج عن كونه منسوبا إليه، أما في مرتبة الخيال فلقوله صلى الله عليه وسلم: (أغنى الناس حملة القرآن، من جعله الله تعالى في جوفه) ، وأما في مرتبة اللفظ فلقوله تعالى: وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن وأما في مرتبة الكتابة فلقوله تعالى: بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ وقول الإمام أحمد: (لم يزل الله متكلما كيف شاء، وإذا شاء بلا كيف) ، إشارة إلى مرتبتين، فالأول إلى كلامه في مرتبة التجلي والتنزل إلى مظهر له كقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة أجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان) الحديث، والثاني إلى مرتبة الكلام النفسي، إذ الكيف من توابع مراتب التنزلات، والكلام النفسي في مرتبة الذات مجرد عن المادة، فارتفع الكيف بارتفاعها، (فالحاصل) لم يزل الله تعالى متكلما، وموصوفا بالكلام من حيث تجلى، ومن حيث لا، فمن حيث تجليه في مظهر لكلامه كيف وإذا شاء لم يتكلم بما اقتضاه مظهر تجليه، فيكون متكلما بلا كيف كما كان، ولم يزل، والأشعري إذا حققت الحال وجدته قائلا بأن لله تعالى كلاما بمعنى التكلم، وكلاما بمعنى المتكلم به، وأنه بالمعنى الثاني لم يزل متصفا بكونه أمرا ونهيا وخبرا، فإنها أقسام المتكلم به، وأن الكلام النفسي بالمعنى الثاني حروفه غير عارضة للصوت في الحق، والخلق، غير أنها في الحق كلمات غيبية مجردة عن المواد أصلا، إذ كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره، وفي الخلق كلمات مخيلة ذهنية فهي في مادة خيالية، فكلمات الكلام النفسي في جنابه تعالى كلمات حقيقية، لكنها ألفاظ حكمية، ولا يشترط اللفظ الحقيقي في كون الكلمة حقيقية إذ قد أطلق الفاروق الكلمة على أجزاء مقالته المخيلة في خبر يوم السقيفة، والأصل في الإطلاق الحقيقة، فالأجزاء كلمات حقيقية لغوية مع أنها ليست ألفاظا كذلك، إذ ليست حروفها عارضة لصوت، واللفظ الحقيقي ما كانت حروفه عارضة، وهو لكونه صورة اللفظ النفسي الحكمي دال عليه وهو دال في