السبب أن بين أيدي المنكرين لوحدانية الله من الأدلة الساطعة والشواهد المقنعة ما لو تدبّروه وعقلوه لزال إنكارهم ولحل محله اليقين والاقتناع بوحدانية الله. ولذلك لم يكترث الله بإنكارهم عند توجيه الخطاب إليهم، وأنزل هؤلاء المنكرين منزلة غير المنكرين لوجود الدلائل التي لو تأملها المنكر لاقتنع وكفّ عن إنكاره.
وأمثلة هذا النوع كثيرة، كأن تقول لمن يجحد فضل العلم: «العلم نافع» ، ولمن ينكر ضرر الجهل: «الجهل ضار» ولمن ينكر ما يسبّبه الفراغ من الفساد والإفساد: «الفراغ مفسدة» ، وهكذا ...
(ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى)
فالقصاص وهو المساواة في العقاب والجزاء لم يفرض فيمن قتل قبل نزول الآية الكريمة، وإنما فرض فيمن سيقتل بعد نزولها. فالمجاز في كلمة «القتلى» أي الذين سيقتلون بعد نزول الآية. فإطلاق القتلى وإرادة من سيقتلون بعد نزول آية القصاص مجاز مرسل علاقته «اعتبار ما يكون» .
(وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ)
ومما ورد من إيجاز القصر في القرآن الكريم قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ) فإن قوله تعالى: (الْقِصاصِ حَياةٌ) لا يمكن التعبير عنه بألفاظ كثيرة، لأن معناه أنه إذا قتل القاتل امتنع غيره عن القتل، فأوجب ذلك حياة للناس.
ويتبين فضل هذا الكلام إذا قرنته بما جاء عن العرب في معناه وهو قولهم: «القتل أنفى للقتل» . فقد يخيل لمن لا يعلم أن هذا القول على وزن الآية الكريمة، وليس الأمر كذلك، بل بينهما فروق من ثلاثة أوجه:
أحدها أن «القصاص حياة» لفظتان، «والقتل أنفى للقتل» ثلاثة ألفاظ.
والوجه الثاني أن في قولهم «القتل أنفى للقتل» تكريرا ليس في الآية.
والوجه الثالث أنه ليس كل قتل نافيا للقتل إلا إذا كان القتل على حكم القصاص.
ومن أمثلة إيجاز القصر في القرآن الكريم أيضا، قوله تعالى: (أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ) كلمتان استوعبتا جميع الأشياء على غاية الاستقصاء.
روي أن ابن عمر قرأها، فقال: من بقي له شيء فليطلبه.
(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)
فالمجاز هنا في لفظة «الشهر» ، والشهر لا يشاهد، وإنما الذي يشاهد هو «الهلال» الذي يظهر أول ليلة في الشهر، والهلال سبب في وجود الشهر، فإطلاق الشهر عليه مجاز مرسل علاقته «السببية» .
ومنه كذلك قول السموأل: