وامض في قراءة الآية التالية، وتأمل وجه استخدام اسم الإشارة، يشير به إلى طائفة قد اتصفت بتلك الصفات الخادعة، وكان لها أثرها في الحكم عليهم، وفي كلمة (اشترى) ، ما يدل على إيثار هؤلاء القوم للضلالة على الهدى، واختار كلمة الضلالة هنا، وآثرها على الكفر والنفاق مثلا، ليتسنى بيان حال ما اختاروه في إيجاز، ووضع الهدى بجوار الضلالة، ليتأتى في يسر معرفة مدى خسران هؤلاء القوم، وضعف عقولهم، ونفي الربح عن التجارة، ولم ينفه عن المتجرين، للإشارة إلى أن هذه التجارة بطبيعتها تجارة خاسرة، بقطع النظر عن المتجرين بها، وفي (ما كانُوا مُهْتَدِينَ) إشارة إلى جهلهم، باختيار هذه التجارة الخاسرة.
وفي الآية التالية تستوقفنا كلمة (استوقد نارا) ، فنتبين فيها حال رجل، قد أحاطت به حلكة الظلام، فهو يطلب جاهدا نارا تضيء له مسالك السبيل، والسين والتاء يدلان على هذا البحث القوى، والطلب الجاد، وفي كلمة أضاءت ما يدل على أنه قد أوتى أكثر مما كان يطمح إليه، فلقد كان يبحث عن نار، أيّا ما كانت، فأوتى نارا قوية أضاءت ما حوله، غير أن ذلك لم يلبث أن مضى وزال، واستخدام ذهب بالنور أقوى من ذهب النور؛ لأن في التعبير الأول دلالة على أن آخذا أخذ
النور، ومضى به، فكيف إذا كان الذاهب به هو الله، وفي إضافة النور إليهم، ما يشعر بأنهم كانوا قد اطمأنوا إلى النور، وفرحوا به، فيكون الذهاب به أشد إيلاما وأنكى، وجمع ظلمة، ليشير إلى هذا الظلام المتكاثف، والحلكة المتراكم بعضها فوق بعض، وتأمل بعدئذ هذه الصفات التي خرجوا بها عن أن يكونوا من البشر، بل عن أن يكونوا من الحيوان، ما داموا قد عطلوا مواهبهم ولم ينتفعوا بها، وكان لنسق هذه الصفات على وزن واحد أثر موسيقى مؤثر.