فإن قيل: لم يخلقها لواحدة من الثلاثة ، ولكنه خلقها لأن تكون إن شاءت مؤمنة ، وإن شاءت كافرة لقوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) .
قيل: أفليست بهذه المشيئة التي تؤمن بها أو تكفر أداة تستعمله في الكفر فتكفر بقوتها ، كما تستعمله في الإيمان سواء ، ولولاها ما قدرت على واحد منهما ،
فإن قال هذا القائل: نعم - ولابد من نعم - قيل له: أراك قد برأت الكافر من كفره ، وأزلت عنه الحول والقوة في الوصول إلى الكفر إلا بتلك الإرادة التي لا يقدر على الكفر إلا بها ، وتلك الأداة - لا محالة - من صنع الخالق فيه.
فإن قال: لا أقول خلقت المشيئة فيه مختارة ، بل أقول: إنها خلقت
فيه لأن يؤمن فكفر. واحتج بقول الله تبارك وتعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ(56 ) )
فقد أخبر نصا أنه خلقهم لعبادته جميعا فعبد بعضهم غيره
قيل: هذه آية فيها - لا محالة - خصوص ، ألا ترى الأطفال والمجانين قد شملهم اسم الخلق ، ولم يشملهم اسم العبادة لعجزهم عنها ، وهذا مثل ما ذكرنا في سورة البقرة (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ)
فهو واقع على بعضهم دون بعض ، ولو كان واقعا على الجميع أيضا لما كان راداً لقوله: (وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ) ولا لقوله: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ(99)
وأشباهها من القرآن. ولكان وجهه وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدوا بمشيئتي.