وقد علق صاحب الانتصاف على كلام الزمخشري بما ملخصه:"جواب الزمخشري صناعى، والتحقيق أنه لما أريد فصل كليهما بفاصلة تنبيها على استقلال كل واحدة منهما بالمقصود من الحجة، كره فصلهما بفاصلتين متساويتين في اللفظ، لما في ذلك من التكرار فعدل إلى فاصلة مخالفة تحسيناً للنظم واتساقا في البلاغة، ويحتمل وجهاً آخر في تخصيص الأولى بالعلم والثانية بالفقه وهو أنه لما كان المقصود التعريض بمن لا يتدبر آيات الله ولا يعتبر بمخلوقاته وكانت الآية الأولى خارجة عن أنفس النظار ومنافية لها، إذ النجوم والنظر فيها وعلم الحكمة الإلهية في تدبيره لها أمر خارج عن نفس الناظر، ولا كذلك النظر في إنشائهم من نفس واحدة، وتقلباتهم في أطوار مختلفة فإنه نظر لا يعدو نفس الناظر ولا يتجاوزها، فإذا تمهد ذلك فجهل الإنسان بنفسه وبأحواله أبشع من جهله بالأمور الخارجة عنه كالنجوم والأفلاك، فلما كان الفقه أدنى درجات العلم إذ هو عبارة عن الفهم نفى من أبشع القبيلين جهلا وهم الذين لا يتبصرون في أنفسهم، ونفى الأدنى أبشع من نفى الأعلى درجة فخص به أسوأ الفريقين حالا. . وإذا قيل: فلان"لا يفقه شيئاً"كان أذم في العرف من قولك: فلان لا يعلم شيئاً وكأن معنى قولك لا يفقه شيئاً ليست له أهلية الفهم وإن فهم، وأما قولك"لا يعلم شيئاً"فغايته نفى حصول العلم له، وقد يكون له أهلية الفهم والعلم لو يعلم."
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ(100)
قوله {وَجَعَلُواْ للَّهِ شُرَكَآءَ الجن} أي: وجعل هؤلاء المشركون لله - سبحانه - شركاء في الألوهية والربوبية من الجن.
وفي المراد بالجن هنا أقوال:
أحدها: أنهم الملائكة حيث عبدوهم وقالوا إنهم بنات الله وتسميتهم جنا مجازاً لاجتنانهم واستتارهم عن الأعين كالجن.
والثاني: أن المراد بالجن هنا الشياطين. ومعنى جعلهم شركاء أنهم أطاعوهم في أمور الشرك والمعاصي كما يطاع الله تعالى.
والثالث: أن المراد بالجن إبليس فقد عبده قوم وسموه ربا ومنهم من سماه إله الشر والظلمة وخص البارى بألوهية الخير والنور. وقد نقل هذا الرأي عن ابن عباس، وقد قال الرازي عن هذا الرأي أنه أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية.
أما ابن كثير فقد رجح الرأي الثاني وقال:
فإن قيل كيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟