أنّ نافع بن الأزرق أتى ابن عباس فقال: قول الله: {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً} [النساء: 42] وقوله: {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] . فقال: إني أحسبك قمت من عند أصحابك، فقلت لهم: آتي ابن عباس، ألقي عليه متشابه القرآن؟ فأخبرهم: أن الله إذا جمع الناس يوم القيامة قال المشركون: إنّ الله لا يقبل إلّا ممن وحّده، فيسألهم فيقولون:
{وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23] .
قال: فيختم على أفواههم، وتستنطق جوارحهم.
ويؤيّده ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة في أثناء حديث، وفيه: «ثم يلقى الثالث فيقول: يا رب آمنت بك وبكتابك وبرسولك، ويثني ما استطاع، فيقول: الآن نبعث شاهدا عليك، فيفكر في نفسه: من الذي يشهد عليّ! فيختم على فيه، وتنطق جوارحه» .
أما الثالث: ففيه أجوبة أخرى، منها: أن (ثمّ) بمعنى الواو، فلا إيراد.
وقيل: المراد ترتيب الخبر لا المخبر به، كقوله: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [البلد: 17] .
وقيل: على بابها، وهي لتفاوت ما بين الخلقين، لا للتراخي في الزمان.
وقيل: (خلق) بمعنى (قدّر) .
وأما الرابع: وجواب ابن عباس عنه، فيحتمل كلامه أنه أراد أنه سمى نفسه {غَفُوراً رَحِيماً} وهذه التسمية مضت لأن التعلق انقضى. وأما الصّفتان فلا تزالان كذلك لا ينقطعان لأنه تعالى إذا أراد المغفرة أو الرحمة في الحال أو الاستقبال وقع مراده. قاله الشمس الكرماني.
قال: ويحتمل أن يكون ابن عباس أجاب بجوابين:
أحدهما: أن التّسمية هي التي كانت وانتهت، والصفة لا نهاية لها.
والآخر: أنّ معنى (كان) الدوام فإنه لا يزال كذلك.
ويحتمل أن يحمل السؤال على مسلكين، والجواب على دفعهما، كأن يقال: هذا
اللفظ مشعر بأنه في الزمان الماضي كان غفورا رحيما، مع أنه لم يكن هناك من يغفر له أو يرحم، وبأنه ليس في الحال كذلك لما يشعر به لفظ (كان) .