وهذا مذهب أهل السنة والعِلْمِ والحديث.
(وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ(105)
إن قال قائل: إنما صُرفَت الآياتُ ليقولُوا دَرَسْتَ؟
فالجواب في هذا أن السبب الذي أدَّاهُمْ إلى أنْ يقُولُوا دَرَسَتَ هُوَ تلاوة الآيات.
وهذه اللام يسميها أهل اللغة لام الصيرورة، وهذا كقوله تعالى: (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)
فهم لم يلتقطوه يطلبون بأخذه أن يعاديهم ولكن كانت عاقبة أمره أن صار لهم عدواً وحَزَناً.
وكما تقول: كتب فلان هذا الكتاب لِحَتْفِهِ، فهو لم يقصد بالكتاب أن يُهْلِكَ نَفْسَه، ولكن العَاقِبَةَ كانت الهلاكَ.
(وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ(116)
فإن قال قائل: كيف يعذبُون وهم ظانون، وهل يجوز أن يعَذَبَ من كفر وهو ظَانٌّ، ومَن لم يكفر وهو على يقين؟
فالجواب في هذا أن اللَّه جل ثناؤُه قد ذكر أنَّه يعذَبُ على الظَنِّ.
وذلك قوله: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ(27) .
والحجة في هذا أنهم عُذَبُوا عَلى هذا الظن، لأنهم اتبعوا أهْواءَهم وتركوا التماس البصيرة من حيث يجب واقتصروا على الظن والجهل.
(قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ...(128)
معنى الاستثناء عندي ههنا - واللَّه أعلم - إِنَّمَا هو من يوم القيامة، لأن قوله: (ويوْمَ يَحْشَرُهُمْ جَمِيعاً) هو يوم القيامة، فقال خالدين فيها مُذ يُبعثون إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ مِن مِقْدَارِ حَشْرِهِمْ من قبورِهم، ومقدارِ مدَّتِهم في محاسبتهم.