ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (قالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْيَوْمِ يَوْمُ الْقِيَامَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ صِدْقَهُمْ فِي الدُّنْيَا يَنْفَعُهُمْ فِي الْقِيَامَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا ذَكَرْنَا: أَنَّ صِدْقَ الْكُفَّارِ فِي الْقِيَامَةِ لَا يَنْفَعُهُمْ، أَلَا تَرَى أَنَّ إِبْلِيسَ قَالَ:(إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) [إِبْرَاهِيمَ: 22] فَلَمْ يَنْفَعْهُ هَذَا الصِّدْقُ، وَهَذَا الْكَلَامُ تَصْدِيقٌ مِنَ اللَّه تَعَالَى لِعِيسَى فِي قَوْلِهِ (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ) [المائدة: 117] .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)
اعْلَمْ أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَخْبَرَ أَنَّ صِدْقَ الصَّادِقِينَ فِي الدُّنْيَا يَنْفَعُهُمْ فِي الْقِيَامَةِ، شَرَحَ كَيْفِيَّةَ ذَلِكَ النَّفْعِ وَهُوَ الثَّوَابُ، وَحَقِيقَةُ الثَّوَابِ: أَنَّهَا مَنْفَعَةٌ خَالِصَةٌ دَائِمَةٌ مَقْرُونَةٌ بِالتَّعْظِيمِ.
فَقَوْلُهُ (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) إِشَارَةٌ إِلَى الْمَنْفَعَةِ الْخَالِصَةِ عَنِ الْغُمُومِ وَالْهُمُومِ، وَقَوْلُهُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا إِشَارَةٌ إِلَى الدَّوَامِ وَاعْتَبِرْ هَذِهِ الدَّقِيقَةَ، فَإِنَّهُ أَيْنَمَا ذَكَرَ الثَّوَابَ قَالَ: (خالِدِينَ فِيها أَبَدًا) وَأَيْنَمَا ذَكَرَ عِقَابَ الْفُسَّاقِ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ ذَكَرَ لَفْظَ الْخُلُودِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ التَّأْبِيدَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى التَّعْظِيمِ.
وَقَوْلُهُ (ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ (ذلِكَ) عَائِدٌ إِلَى جُمْلَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي) إِلَى قَوْلِهِ (وَرَضُوا عَنْهُ)