فَالْأَنْبِيَاءُ قَالُوا: لَا عِلْمَ لَنَا ألْبَتَّةَ بِأَحْوَالِهِمْ، إِنَّمَا الْحَاصِلُ عِنْدَنَا مِنْ أَحْوَالِهِمْ هُوَ الظَّنُّ، وَالظَّنُّ كَانَ مُعْتَبَرًا فِي الدُّنْيَا، لِأَنَّ الْأَحْكَامَ فِي الدُّنْيَا كَانَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الظَّنِّ، وَأَمَّا الْآخِرَةُ فَلَا الْتِفَاتَ فِيهَا إِلَى الظَّنِّ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ فِي الْآخِرَةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى حَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ، وَبَوَاطِنِ الْأُمُورِ.
فَلِهَذَا السَّبَبِ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا وَلَمْ يَذْكُرُوا ألْبَتَّةَ مَا مَعَهُمْ مِنَ الظَّنِّ لِأَنَّ الظَّنَّ لَا عِبْرَةَ بِهِ فِي الْقِيَامَةِ.
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَالِمٌ لَا يَجْهَلُ، حَكِيمٌ لَا يَسْفَهُ، عَادِلٌ لَا يَظْلِمُ، عَلِمُوا أَنَّ قَوْلَهُمْ لَا يُفِيدُ خَيْرًا، وَلَا يَدْفَعُ شَرًّا فَرَأَوْا أَنَّ الْأَدَبَ فِي السُّكُوتِ، وَفِي تَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَى عَدْلِ الْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوتُ.
(إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ...(110)
تَوْبِيخُ مَنْ تَمَرَّدَ مِنْ أُمَمِهِمْ وَأَشَدُّ الْأُمَمِ افْتِقَارًا إِلَى التَّوْبِيخِ وَالْمَلَامَةِ النَّصَارَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَتْبَاعُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِأَنَّ طَعْنَ سَائِرِ الْأُمَمِ كَانَ مَقْصُورًا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَطَعْنَ هَؤُلَاءِ الْمَلَاعِينِ تَعَدَّى إِلَى جَلَالِ اللَّه وَكِبْرِيَائِهِ حَيْثُ وَصَفُوهُ بِمَا لَا يَلِيقُ بِعَاقِلٍ أَنْ يَصِفَ الْإِلَهَ بِهِ، وَهُوَ اتِّخَاذُ الزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ فَلَا جَرَمَ ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُ يُعَدِّدُ أَنْوَاعَ نِعَمِهِ عَلَى عِيسَى بِحَضْرَةِ الرُّسُلِ وَاحِدَةً فَوَاحِدَةً وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ تَوْبِيخُ النَّصَارَى وَتَقْرِيعُهُمْ عَلَى سُوءِ مَقَالَتِهِمْ فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ تِلْكَ النعم المعدودة عَلَى عِيسَى تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ وَلَيْسَ بِإِلَهٍ.